ولقد بلغ من صدق انفعال الصحابة رضوان الله عليهم لتهييج رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم على الجهاد والشهادة، من خلال تلك الأوصاف الحسية للجنة والطريق الموصل إليها، لقد بلغ بهم الصدق في التجاوب والانفعال أن استطاعوا بفضل الله تعالى أن ينقلوا هذا الانفعال لغيرهم ممن لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ليقوم هؤلاء بمثل ما قام به الصحابة الأبرار من تتبع ريح الجنة، واختصار الطريق إليها، والاستظلال بالسيوف المؤدية بهم إلى الشهادة، إلى مفتاح الجنة، فعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف"، فقام رجلٌ رث الهيئة فقال: يا أبا موسى، آنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم. قال: فرجع إلى أصحابه، فقال:"أقرأ عليكم السلام"، ثم كسر جَفنَ سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قُتل" [1] ."
ولئن بلغ بك العجب أخي مبلغًا، فتأمل انفعال ملائكة الرحمن وتجاوبهم مع أولئك النفر الخُلَّص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي صدقوا الله تعالى فصدقهم، فإذا بحقائق الغيب والآخرة أمورٌ محسوسة معاينة كما أحس أولئك النفر بريح الجنة، ورأوا أبوابها تحت ظلال السيوف، واستشرفوا دخول الجنة على عجل لما آمنوا بها عين اليقين، تأمل كيف تتجاوب ملائكة الرحمن مع بعض هؤلاء حين ينفرون من الدنيا كل الدنيا، استجابةً لداعي الجهاد، وتلبية لصيحة النفير، فعن حنظلة بن أبي عامر أخي بني عمرو بن عوف أنه التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أُحُد، فلما استعلاه حنظلة، رآه شداد بن الأسود - وكان يقال له ابن شعوب - قد علا أبا سفيان، فضربه شدادُ فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن صاحبكم - يعني حنظلة - لتغسلُه الملائكة، فاسألوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبتُه [2] فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهاتفة [3] . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لذلك غسلته الملائكة" [4] . إنه لشيء عجيبٌ حقًا، ولكن أين العجب ممن لا يرى في غبار النقع سوى ريح الجنة، ولا يرى تحت بوارق السيوف سوى مفاتيح أبواب الجنة، أين العجب ...
(1) صحيح مسلم - حديث 1902
(2) صاحبته: أي زوجته
(3) الهاتفة: اي صيحة النفير للجهاد
(4) حلية الأولياء - 1/ 357، والإصابة في تمييز الصحابة 2/ 127