الصفحة 16 من 65

أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس أن يتجهزوا لغزو الروم، وهي الغزوة التي اشتهرت فيما بعد بغزوة تبوك، وكانت الغزوة في أشد أيام الصيف حرًا وفي وقت طابت فيه الظلال وطابت فيه الثمار، وكان من عادة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا أراد أن ينطلق في غزوة ورّى بغيرها، فلم يكشف أمرها إلا هذه الغزوة، فقد أخبر بها الناس صراحة؛ حتى يتجهزوا ويستعدوا ويأخذوا للأمر عدته؛ لأن من نيته أن يقاتل الروم وهم يوم ذاك يشكلون مع الفرس أعظم قوتين على وجه الأرض. فأخذ الناس يتجهزون ويستجيبون لدعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- برغم شدة الحر وبعد الشقة ووحشية العدو، وكثافته عددًا وعدة، ولم يتخلف من المسلمين الصادقين بلا عذر مبيح إلا ثلاثة نفر: (كعب وصاحباه) ، وها هو كعب يحدث بنفسه عما حصل فيما رواه البخاري عنه قال:"لم أتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك، غير أني كنت تخلَّفت في غزوة بدر ولم يعاتب النبي - صلى الله عليه وسلم- أحدًا تخلَّف عنها، يقول كعب: كان من خبري (أي كان من قصتي) أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلَّفت عنه في تلك الغزاة (يعني غزوة تبوك) ، يقول: والله ما اجتمعت عندي قبلها راحلتان حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك غزاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا وعدوًا كثيرًا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى أمره ما لم ينزل فيه وحي من الله."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت