إن اللجوء إلى الكذب في بعض المواقف قد ينجي صاحبه شيئًا ما، لكنها نجاة مؤقتة يعقبها الندم والحسرة يوم البعث والنشور، لقد كان بإمكان كعب بن مالك - رضي الله عنه- أن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ويعتذر بما اعتذر به المنافقون، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- سيقبل اعتذاره، لا ريب كما قبل اعتذار المنافقين، ثم يستمتع كعب بكذبه حتى حين، لكن كعبًا - رضي الله عنه- كان يدرك أن الأمر ليس بالسهولة التي يتصورها البعض، وكان يدرك أن الكذب ليس من شيم الكرام، وأيقن أن كذبه قد يخفى على محمد - صلى الله عليه وسلم- لأنه بشر لا يعلم الغيب ولا يعلم ما في القلوب، لكنه لا يخفى على علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لقد تحمل كعب - رضي الله عنه- هجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهجر الناس له خمسين ليلة بتمامها وكمالها كأنها الدهر بأكمله من شدة ما لاقى من الفراق المر، والقطيعة الموجعة، حتى ضاقت به نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، إن الدين عقائد راسخة لا تقبل التمييع ومبادئ فاضلة لا تقبل المساومة، ولقد أصابت المسلمين الفوضى في معاملاتهم والتناقض في تصرفاتهم، وانعدمت الثقة أو كادت يوم استخفوا بالفضائل التي جاء بهما دينهم العظيم والأخلاق التي بشر بها رسولهم الكريم، وإن أمتنا اليوم بحاجة ماسة أن تراجع دينها بكل مفرداته.