هذه بعض مظاهر الذلة والمهانة التي كان القوم يعيشونها، حتى أشرقت شمس الرسالة وسطعت أنوار النبوة، فبعث الله نبينا عليه السلام والحال ما ذكر، فجاهد عليه الصلاة والسلام تلك الأوضاع البائسة والأحوال المتخلفة، ونذر حياته للدعوة والإصلاح، فأسهر ليله وأظمأ نهاره وهو يبذل قصارى جهده وغاية وسعه، مستميتًا في استصلاح القلوب القاسية، واستنقاذ النفوس المريضة، التي ألفت المنكر واعتادته ولم تعد تملك منه فكاكًا، حتى فتح الله على يديه الشريفتين فحدثت المعجزة العظيمة، والانقلاب المدهش، فتحول المجتمع الجاهلي إلى عجائب الدهر، وسوانح التاريخ!!
حتى وجد فيهم القائد المسلم الذي يجلس مع اليهودي أمام القاضي، ينظر في أمرهما بكل عدالة وإنصاف، وحتى وجد فيهم القائد المسلم الذي يخرج من البلد التي فتحها، لأنه أخل بشرط من شروط الفتح!!
وتحققت في أسلافنا نبوءته عليه الصلاة والسلام، حيث يقول:"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها"أخرجه مسلم عن ثوبان رضي الله عنه، ففتحت بلاد الروم وفارس، وأنفقت كنوزها في سبيل الله، ووصلت جحافل التوحيد أقاصي الدنيا شرقًا وغربًا!!
وطالت أيام المسلمين، ودامت أمجادهم، وخلفوا مآثر لا تنسى، ونشط العلماء فصنفوا وألفوا، وورثوا تركة ضخمة من نفائس المخطوطات، ومدائن العلم، ونبغ في الإسلام علماء في الجبر والهندسة، وعلماء في الفلك والكيمياء والصيدلة، وعلوم البحار!!
وألف أبو القاسم الزهراوي عشرين مجلدًا في الطب والجراحة، وأطباء الإسلام هم أول من فتَّت الحصى في المثانة، وكتبوا في الجذام والحصبة والطاعون. والمسلمون هم أول من كشف عن الدورة الدموية، واستعملوا البنج في العمليات الجراحية، وظلت كتب المسلمين في الطب مراجع معتمدة في جامعات الغرب ستة قرون من الزمان!!
هذه بعض مآثر المسلمين، ولو استطردنا لضاق بنا المقام، وعجز البيان، وكلَّ البنان!!