وأصبح الجاهلي الذي كان يأكل الميتة ويئد البنات، ويشرب الخمر بإسفاف مريع، أصبح ذلك الجاهلي المخمور فارسًا شجاعًا، ومجاهدًا في سبيل الله، لا يخاف لومة لائم، يحمل القرآن في يد والسيف في الأخرى، ممتثلًا قول ربه ومولاه"وجاهدهم به جهادًا كبيرًا"، ومما زاد هذا الكتاب العظيم شرفًا ورفعة، تكفله سبحانه بحفظه وصونه من الزيادة والنقصان، ومن التبديل والتحريف، كما تحدَّى به الفصحاء والبلغاء، والخطباء والمتكلمين والأدباء والمحدثين .. ! بل تحدَّى به البشرية بأسرها أن تأتي بمثله أو بشيء منه:"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا".
وكل الذين قبلوا التحدي، وسولت لهم نفوسهم المريضة، وعقولهم السقيمة محاكاة القرآن أو معارضته، باءوا بالخسران والفشل الذريع، وغاية ما جاءوا به سخافات مضحكة وسجع كسجع الكهان لا معنى له ولا طائل من ورائه.
وأنى لهم أن يأتوا بمثل القرآن الذي يقول الله فيه:"ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا".
وأنى لهم أن يأتوا بمثل القرآن الذي يقول الله فيه:"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون".
إنه الكتاب الذي أخذ بمجامع القلوب، وأرهف الأسماع، وأسر النفوس ببلاغته، وعظيم فصاحته وبهائه، فهو الكتاب الذي لا تمله الآذان، ولا يخلق من كثرة الرد.
من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.