أيها القارئ الكريم: إن الذي أثار هذه الخواطر في نفسي، ما نراه هذه الأيام من تسابق الناس إلى تلاوة القرآن، والتنافس في ختمه مرات عديدة، والجلوس لقراءته في المساجد وغيرها، إلا أن ما يحير المرء، ويوجع القلب، أنك لا تكاد تلمس تغيرًا يذكر في واقع الناس وحياتهم وفي أخلاقهم وتصرفاتهم، وما ذاك إلا لغياب التدبُّر وضعف الخشوع.
وأحسب أن بعض أولئك القراء يظنون واهمين، أن القرآن إنما يخاطب الصحابة- رضي الله عنهم- والتابعين، وأما هم فبمنأى ومعزل عن حديث القرآن وتوجيهه، وأمره ونهيه. وربما اعتقد بعضهم أنه وسيلة لطلب البركة وطرد للشياطين، أو سبب لدفع العين والجان عن المرضى والمصابين عبر الحروز والتمائم.
وقد أفلح أعداء الإسلام في جعل القرآن لدى الكثيرين مجرد تراتيل يترنم بها القراء، ويطرب لها المستمعون، وحولوه إلى تمائم وتعاويذ، يضعها الناس في جيوبهم وفي صدورهم وتحت وسائدهم، ويظنون -بسذاجة وغرور- أنهم قد أدوا حق القرآن، وحق منزله سبحانه.
ولم يعد القرآن في حياة الناس مصدر التشريع والتوجيه، فلقد صاغ لهم طواغيت البشر أنظمة ودساتير، يتلقون منها التوجيه في شؤون الحياة كلها، حتى إنهم ليتلقون منهم تصوراتهم ومفاهيمهم إلى جانب ما يتلقون من شرائع وقوانين، وقيم وموازين، ثم قالوا لهم: إن هذا الدين محترم، وإن هذا القرآن مصون، وهو يتلى عليكم صباح مساء، وفي كل مناسبة ويترنم به المترنمون، ويرتله المرتلون، فماذا تريدون من القرآن بعد ذلك؟!.
فأما عقائدكم وشرائعكم، وأما أنظمتكم وأوضاعكم، وأما قيمكم وأخلاقكم، فإن هناك قرآنًا آخر هو المرجع فيها كلها، إنه الدستور المستورد، والقانون الجاهلي الحديث.