الصفحة 53 من 65

المتأمل في أحوال المجتمع الإسلامي الأول يلمس بوضوح ذلك التماسك العظيم، وتلك القواعد الراسخة التي قام عليها بناء المجتمع آنذاك، وسيلمس كذلك تلك المثالية في السلوك، وذلك السمو في الأخلاق الذي امتاز به أولئك العظماء من سلف هذه الأمة، والذين ضربوا أروع الأمثلة في الطهر والنزاهة والعفو والمروءة والشجاعة والإقدام، واستطاعوا في زمن وجيز أن ينقلوا البشرية تلك النقلة الضخمة من حمأة الجاهلية إلى واحة الإيمان، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ولنا أن نتساءل كيف تمكَّن أولئك الأفذاذ البررة من تحقيق ذلك الإنجاز المعجزة؟ وكيف ارتقى الأصحاب بالإنسان الجاهلي المتخلِّف من حضيض الغبراء إلى مواقع الجوزاء، ومن ذلك الانحدار السحيق إلى تلك القمم السامقة الشماء؟؟

والجواب إخواني القراء أن ثمة عوامل متعددة وأسبابًا متنوعة ساهمت في تحقيق تلك النجاحات المتوالية، وصنعت تلك الإنجازات الباهرة، لعل من أهمها وأبرزها ذلك المنهج المتميز الذي انتهجه الأصحاب في بناء الإنسان الجديد وصناعة جيل شبابي فريد يوم أدرك السلف الأولون أهمية التربية الجادة وضرورة العناية بالأبناء، فقدموا للبشرية نماذج من الشباب النوادر ربوا على التدين وحب الجهاد، وتنافسوا في ميادين العلم والدعوة، فكانوا قرَّة عين لآبائهم وسند قوة لأمتهم، تتناقل أخبارهم كتب التراجم والسير على وجه الإعجاب والإكبار والتقدير.

لقد آمن أولئك الأخيار بحتمية تربية أبنائهم ورعايتهم، فلم يكن انشغال الواحد منهم بمسؤولياته المتعدِّدة -وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله- ليقف حجر عثرة أو عائقًا يتشبَّث به الأب والمجاهد للاعتذار عن واجبه في متابعة أبنائه ورعايتهم!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت