فهرس الكتاب
وحتى على مستوى شخصية فذّة كعمر الذي كان يحمل هم الإسلام في كل ذرة من كيانه، ولديه من المشاغل والمهام ما تنوء عن حمله العصبة أولو القوة، ومع هذا فلم يكن رضي الله عنه يغفل عن تربية أبنائه الأماجد، وعلى رأسهم الإمام القدوة عبد الله بن عمر الذي نشّأه أبوه فأحسن تنشئته، وربَّاه فأحسن تربيته، فنشأ عالمًا جليلًا ومجاهدًا بطلًا وعلمًا من أعلام المسلمين.
هذا الإمام العلم يكتب عنه الحافظ الذهبي فيقول: عبد الله بن عمر الإمام القدوة شيخ الإسلام، فقد وصفه بأنه إمام، ووصفه بأنه قدوة، وخلع عليه لقب شيخ الإسلام بكل جدارة واستحقاق!
كل ذلك من ثمار تربية عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الأعجوبة والمربي الفذ!!
وهذا أسامة بن زيد يصنعه أبوه على عينه فيربيه تربية الأب المشفق الحنون، وينشئه تنشئة الوالد الحريص على تأدية الأمانة، فكانت النتيجة أن أثمرت تلك التربية الجادة ذلك الفارس الأسد أسامة بن زيد رضي الله عنه، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤمِّره على جيش عظيم لغزو الشام، وسنه لا يتجاوز السابعة عشرة، وفي الجيش كبار الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب نفسه!
إنها التربية الجادة التي أفرزت شبابًا قفزوا أسوار الزمن بوثبات مد البصر، حتى أصبحت عاجزًا عن التمييز بين الأب وبنيه، بل بين الأسد وأشباله لرجاحة عقولهم وسداد رأيهم وبعد نظرهم!
إن ما نعانيه اليوم من شتات وفرقة وضعف وتناحر وتدهور في القيم والأخلاق راجع في جوانب كثيرة منه إلى ضعف التربية وإهمال الأجيال الصاعدة!
إن المخرج من هذا النفق المظلم والتخلُّص من هذا الوضع الشاذ إنما يكون بالدعوة إلى الجذور، وتلمُّس خطى الأسلاف حذو القذة بالقذة، سيما في مجال التربية وبناء النشء الجديد!