الصفحة 59 من 65

وكان ابن مسعود يقول: والله ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم متى نزلت وفيمن نزلت، ولو أعلم رجلًا أعلم مني بكتاب الله تصله المطايا لأتيته! هذه الثانية.

وكان علي يقول: أيها الناس سلوني فأوشك أن أرحل عنكم! وهذه الثالثة.

لقد كانوا موسوعات علمية متحركة وخزائن معرفية متنقلة، ونستطيع أن نقرر بكل ارتياح أن كل الذين جاءوا من بعدهم عيال عليهم متلقون عنهم، متطفلون على موائدهم.

لقد فقه الصحابة أنه لا سبيل إلى حمل الدعوة وحفظ الأمانة وإنقاذ البشرية وأداء رسالة الإسلام العالمية إلا بعلم راسخ وبصيرة جادة، فانطلقوا كالصقور لا يدعون آية محكمة إلا فقهوها، ولا سنة صحيحة إلا حفظوها، ولا فريضة عادلة إلا تعلموها!!

وأما عبادتهم فقد كانت ضربًا من العجب، ولولا أن الذي نقلها إلينا ووصفها لنا علماء أجلاء ومصنفون فضلاء كالذهبي وابن كثير وغيرهما لظننا ذلك ضربًا من الخيال وشيئًا من المبالغة، فإنك لو قرأت في سيرتهم فستظل تعجب وتعجب وتعجب ولا ينقضي العجب وأنت ترى نماذج من البشر قد اسودت جباههم من طول السجود، فيقضون الليل كله أو جله سجدًا لله وهم قانتون يذرفون الدموع، ويكثرون المناجاة ويظهرون الأسف، ويكررون الرجاء بين يدي الله سبحانه، طالبين فك رقابهم وعتق أنفسهم من غضب الله وسطوته فنتكلم عن من؟ وندع من؟

هل نتحدَّث عن الصديق الذي له مع الصلاة والخشوع حكاية طويلة وماض عريق، منذ كان في مكة يتخذ من فناء بيته مسجدًا يقرأ القرآن ويجوده ويطيل القنوت ويحتسبه، حتى خشي المشركون على أبنائهم من عذوبة قراءته ومهابة هيئته!!

أم نتحدث عن الفاروق وحسبك منه الخطان الأسودان في وجهه من كثرة الصلاة والبكاء وطول القنوت والمناجاة؟!

أم عن أبي الدرداء الذي كان يقول لولا ثلاث ما أحببت العيش يومًا واحدًا، الظمأ لله بالهواجر والسجود في جوف الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت