فهرس الكتاب
أم عن أبي هريرة الذي كان يتعاقب هو وامرأته وخادمه الليل، فيقسمونه ثلاثًا يصلي هذا ثم يوقظ ذاك فيصلي ذاك ثم يقوم الثالث!!
أم نتحدث عن عبد الله بن مسعود، الذي كان إذا جدّ في الصلاة كأنه ثوب ملقى؟!
أم عن عبد الله بن الزبير الذي إذا سجد وقعت العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذع شجرة؟!
التربية الإيمانية (2)
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مواصلة لما أنقطع من حديث الأمس أقول:
وأما التابعون لهم بإحسان فقد درجوا على خطى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هو علي بن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- كان يصلي في اليوم ألف سجدة. قال الذهبي في السير لقِّب بالسجَّاد؛ لكثرة صلاته.
وكان عمر بن دينار يجزئ الليل ثلاثًا، جزء ينامه، وجزء يدرس الحديث، وجزء يخلو فيه مع ربه ذاكرًا ومتهجِّدًا!
وكان منصور بن المعتمد قد اتَّخذ في بيته مصلى يتهجد فيه، فلما مات منصور قال غلام لأمه: يا أماه الجذع الذي كان في سطح آل فلان لم أعد أراه، قالت: ليس ذلك بجذع، ذاك منصور بن المعتمد وقد مات!
حتى أسطح منازلهم كانت تتخذ أماكن عبادة ومواضع تهجُّد، ثم انظر إلى أسطح منازلنا لترى ما نوع الجذع الذي ينتصب فوقها؟!
أيها الأحبَّة القراء لقد تحوَّلت حياتهم إلى خلية نحل وورشة عمل، فهم في سباق محموم إلى تربية النفس وبناء الذات فوق مطايا من العمل الصالح ومراكب من البر والتقوى، فلا يدعون فرصة إلا اغتنموها، ولا ساعة فراغ إلا اهتبلوها، وما نعده نحن من فرص للمتعة والترويح عن النفس كان أسلافنا يعدونه غنيمة لا تقدر بثمن، خذ على سبيل المثال موسم الشتاء الذي حان دخوله هذه الأيام، وقارن بعين الإنصاف بين حالنا وحال أسلافنا فيه، وبين نظرتنا ونظرتهم إليه، فماذا يعني الشتاء في حياتنا غير كونه موسمًا لنصب الخيام في الصحراء، وتتبُّع مواقع القطر والربيع؟!