الصفحة 8 من 65

إنها فرحة الاستعلاء فوق ضرورات الجسد، وأنماط الحياة الرتيبة.

إنها أفراح الروح تنتشي طربًا، وتهتز فرحًا بحلول شهر الصيام والصبر الجميل، فرحة الصائم بفطره ليست لكسر سطوة الجوع، وإبراد لهيب الظمأ، فتلك فرحة تشاركه فيها الهوام والأنعام، ولكنها فرحة الانتصار على كيد الشيطان وهوى النفس ومطارق الشهوة وسُعارها.

فرحة الإذعان والاستسلام لأمر الجبار جل وعز حين أمر بترك الطعام فتُرك، وهجر الشراب فهُجر.

"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه".

وأما الفرحة الثانية: فهي فرحة ذات مذاق خاص، فرحة لقاء الحبيب حبيبه، والصائم ربَّه الذي أعانه على الصيام ووفّقه إليه، ووعده بحسن الثواب وادخره له.

فرحة أنست كل الآلام والأحزان الغابرة، فقد غلبت هذه الفرحة ورجحت وحُقّ لها، وحُقّ لصاحبها أن يبتهج بها.

فلطالما حفظ جوارحه عن المحرم والممنوع، وصان لسانه عن السافل والقبيح، فلم يكن صيامه صيام المحرومين، الذين حُرموا الطعام والشراب، وحرموا الأجر والثواب كذلك، يوم انتهكوا حرمة الشهر بكل ساقط من القول، وشائن من الفعل والسلوك.

فما أحرى كل صائم إذًا أن يستشعر حقيقة الصيام، ويعي مراميه العظام، فيوطن نفسه على صون صيامه من قول الزور والعمل به، ليحظى بالفرحتين كلتيهما، وتقي عيناه حقًا بكل ما أعده الله للصائمين الصادقين.

فإن أبى إلا أن يطلق لناظريه العنان ليطالعا كل قبيح تبثه وسائل الإعلام، أو تعرضه المتبرجات في شوارع المسلمين، أو يرخي سمعه لمزامير الشيطان، وأصوات الطرب والغناء، ثم هو مع كل هذا فاحش اللسان بذيئه، فليعلم إنسان كهذا أن فرحه بفطره هو فرحة الأنعام بهبوطها المرعى، ونشوة الأُسْد بالتهام فريسة كلَّت قدماها عن الفرار، وما عدا ذلك فليس هو منه في قبيل أو دبير!.

التقوى أولًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت