الصفحة 9 من 65

لقد أفصح القرآن الكريم بغاية الصوم، وسر فرضه على جماعة المؤمنين بقول البارئ جل ذكره:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".

فالصيام إذًا فريضة التربية الإيمانية، ومدرسة التقوى الفاعلة.

إن الصائم المستشعر لحقيقة الصيام ومراميه يلمس في أعماق ضميره ارتياحًا ذا مذاق خاص يدفعه إلى سلوك مسلك الحزم مع نفسه سائر العام، فما التقوى في حقيقتها إلا ذلك الحزم المنشود، ولذا فرض الصيام.

ومن يفهم الصيام أنه تقليد سنوي يُمتنع فيه عن الطعام والشراب بضع سويعات، فهو بعيد عن أجواء الصيام الحقيقية، وقلَّ أن ينتفع بصيام أو ينهض لقيام.

لذا فإننا لا نتعجب أبدًا حين نجد أعدادًا غفيرة من الصائمين ينتهكون قدسية الشهر بممارسات محرمة بدءًا من الغيبة والنميمة والغش والكذب والخداع، ومرورًا بالاستماع إلى مزامير الشيطان، وانتهاءً بجلسات إلى قبيل السحر أمام القنوات سيئة الذكر!

إن أمثال هؤلاء بعيدون حقًا عن أعظم غنيمة يجنيها الصوّام القوّام، وهي زكاة النفس، وسموها وتسنمها هرم التقوى، حيث الاستعلاء الأكيد على كل سافل وقبيح من قول أو فعل أو خُلق!

لقد فقه أسلافنا حقيقة الصيام، وأدركوا غاياته وأسراره، فما عاد يكفيهم صوم شهر واحد؛ لشدة شوقهم ولهفتهم إلى مزيد من الدعم النفسي والأثر المعنوي الخطير الذي يحدثه الصيام، فها هو عبد الله بن عمرو بن العاص -كما في الصحيحين- يتحاور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدر الصيام المتاح له شرعًا، بعد أن نهاه نبي الرحمة عليه السلام عن صيام الدهر كله، فقال:"صم يومًا ولك أجر تسعة"قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال:"فصم يومًا وأفطر يومين"قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال:"فصم يومًا وأفطر يومًا"قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال عليه السلام:"لا أفضل من ذلك، وذلك صيام الدهر وذلك صيام داود عليه السلام".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت