وفي المبسوط للسرخسي:
لَوْ حَمَلَ الْوَاحِدُ عَلَى جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصِيبُ بَعْضَهُمْ أَوْ يَنْكِي فِيهِمْ نِكَايَةً فَلَا بَاسَ بِذَلِكَ
وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لقوله تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} {وَلَا تَلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ}
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {رَأَى يَوْمَ أُحُدٍ كَتِيبَةً مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ: مَنْ لِهَذِهِ الْكَتِيبَةِ فَقَالَ وَهْبُ بْنُ قَابُوسَ: أَنَا لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَّقَهُمْ ثُمَّ رَأَى كَتِيبَةً أُخْرَى فَقَالَ: مَنْ لِهَذِهِ الْكَتِيبَةِ؟ فَقَالَ وَهْبٌ: أَنَا لَهَا فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: أَنْتَ لَهَا وَأَبْشِرْ بِالشَّهَادَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَّقَهُمْ وَقُتِلَ هُوَ} فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَنْكِي فِعْلُهُ فِيهِمْ فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ
وفي شرح السير الكبير للسرخسي:
2963 - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا حَمَلَ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ وَحْدَهُ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ أَوْ يَنْكَأَ فِيهِمْ فَلَا بَاسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِفِعْلِهِ النَّيْلَ مِنْ الْعَدُوِّ.
2964 - وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم , غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم , وَبَشَّرَ بَعْضَهُمْ بِالشَّهَادَةِ حِينَ اسْتَاذَنَهُ فِي ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطْمَعْ فِي نِكَايَةٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ. لِأَنَّهُ يُتْلِفُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ , وَلَا نِكَايَةٍ فِيهِ لِلْمُشْرِكِينَ.
2965 - وَفِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ , وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ يَقْتُلُونَهُ وَأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّقُ جَمْعُهُمْ بِسَبَبِهِ ; لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَاكَ مُسْلِمُونَ مُعْتَقِدُونَ لِمَا يَامُرُهُمْ بِهِ , فَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّ فِعْلَهُ يَنْكِي فِي قُلُوبِهِمْ , وَإِنْ كَانُوا لَا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ , وَهَا هُنَا الْقَوْمُ كُفَّارٌ لَا يَعْتَقِدُونَ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ وَفِعْلُهُ لَا يَنْكِي فِي بَاطِنِهِمْ , فَيُشْتَرَطُ النِّكَايَةُ ظَاهِرًا لِإِبَاحَةِ الْإِقْدَامِ.
2966 - وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي نِكَايَةٍ وَلَكِنَّهُ يُجْزِئُ بِذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُظْهِرَ بِفِعْلِهِ النِّكَايَةَ فِي الْعَدُوِّ فَلَا بَاسَ بِذَلِكَ , إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ النِّكَايَةِ بِفِعْلِهِ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ , فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي النِّكَايَةِ فِيهِمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي إرْهَابِ الْعَدُوِّ وَإِدْخَالِ الْوَهَنِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِ فَلَا بَاسَ بِهِ ; لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ وُجُوهِ النِّكَايَةِ , وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدٍ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ.
وَلَوْ كَانَ أَسِيرًا فِي بَعْضِ حُصُونِهِمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَشُدَّ عَلَى بَعْضِهِمْ فَيَقْتُلُهُ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي قَتْلِهِ أَوْ فِي نِكَايَةٍ فِيهِمْ فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. لِأَنَّهُ يُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ , فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ بَعْدَ هَذَا وَيُمَثِّلُونَ بِهِ.
3169 - وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي الصَّيْفِ يُقَاتِلُ , وَأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ; مِنْهُمْ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَمِنْهُمْ حَمِيُّ الدَّبْرِ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ يَوْمَ الرَّجِيعِ , يَوْمَ بَنِي لِحْيَانَ , فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ هَذَا لِلْمُقَاتِلِ إذَا كَانَ يُنْكِرُ فِعْلَهُ فِيهِمْ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْأَسِيرِ كَانَ أَوْلَى
وَإِنْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَرَبَهُ الَّذِي يُمْسِكُهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الْعِلْجَ وَيَابَى السُّجُودَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ. لِأَنَّ ضَرْبَ الْعِلْجِ وَقَتْلَهُ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ يَكُونُ نِكَايَةً فِيهِمْ لَا مَحَالَةَ , وَفِي إبَائِهِ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى إعْزَازُ الدَّيْنِ , فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ , وَلَا يَكُونُ بِهِ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ.
3174 - وَلَوْ قَالَ الْأَسِيرُ لَهُمْ: أَنَا أَعْلَمُ الطِّبَّ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَسْقِيَهُمْ الدَّوَاءَ فَسَقَاهُمْ السُّمَّ فَقَتَلَهُمْ فَإِنْ سَقَى الرِّجَالَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَاسٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ نِكَايَةٌ فِيهِمْ , وَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ , كَمَا أَكْرَهُ لَهُ قَتْلَهُمْ. إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مِنْهُمْ قَدْ أَضَرَّتْ بِهِ. وَقَصَدَتْ قَتْلَهُ , فَحِينَئِذٍ لَا بَاسَ بِأَنْ يَسْقِيَهَا كَمَا لَا بَاسَ بِأَنْ يَقْتُلَهَا إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ أَنَّ أَسِيرًا فِيهِمْ دَلَّى نَفْسَهُ مِنْ حِصْنٍ أَوْ سُورِ مَدِينَةٍ