فهي المساومة إذن , والالتقاء في منتصف الطريق. كما يفعلون في التجارة. وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها ; لأن الصغير منها كالكبير. بل ليس في العقيدة صغير وكبير. إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء. لا يطيع فيها صاحبها أحدا , ولا يتخلى عن شيء منها أبدا.
وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق , ولا أن يلتقيا في أي طريق. وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان. جاهلية الأمس وجاهلية اليوم , وجاهلية الغد كلها سواء. إن الهوة بينها وبين الإسلام لا تعبر , ولا تقام عليها قنطرة , ولا تقبل قسمة ولا صلة. وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق!
وقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ليدهن لهم ويلين ; ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم , أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه , وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب! على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول!
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاسما في موقفه من دينه , لا يدهن فيه ولا يلين. وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانبا وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير. فأما الدين فهو الدين!
وهو فيه عند توجيه ربه: (فلا تطع المكذبين) !
ولم يساوم صلى الله عليه وسلم في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة. وهو محاصر بدعوته. وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون. ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين , تأليفا لقلوبهم , أو دفعا لأذاهم. ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد
روى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق قال:
"فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام. وصدع به كما أمره الله , لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه , وأجمعوا خلافه وعداوته - إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون - وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه , وقام دونه , ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لأمره , لا يرده عنه شيء."
"فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم , ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم , مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب. ."
عتبة وشيبة ابنا ربيعة , وأبو سفيان بن حرب بن أمية. وأبو البختري واسمه العاص بن هشام. والأسود بن عبد المطلب بن أسد. وأبو جهل"واسمه عمرو بن هشام وكان يكنى ابا الحكم"والوليد بن المغيرة , ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر. .
أو من مشى منهم. . فقالوا: يا أبا طالب. إن ابن أخيك قد سب آلهتنا , وعاب ديننا , وسفه أحلامنا , وضلل آباءنا , فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه , فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ; فنكفيكه! فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا , وردهم ردا جميلا , فانصرفوا عنه.
""ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه: يظهر دين الله , ويدعو إليه. ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا , وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذامروا فيه. وحض بعضهم بعضا عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى. فقالوا له: يا أبا طالب , إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا. وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ; وإنا والله لا نصبر على هذا: من شتم آبائنا , وتسفيه أحلامنا , وعيب آلهتنا , حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالواله. . ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم , ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله