الصفحة 79 من 141

قال تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن , ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب , وبشر المؤمنين) سورة الصف

وصيغة التعبير بما فيها من فصل ووصل , واستفهام وجواب , وتقديم وتأخير , صيغة ظاهر فيها القصد إلى إقرار هذا الهتاف في القلوب بكل وسائل التأثير التعبيرية.

يبدأ بالنداء باسم الإيمان:

يا أيها الذين آمنوا. .

يليه الاستفهام الموحي. فالله - سبحانه - هو الذي يسألهم ويشوقهم إلى الجواب: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ?) . .

ومن ذا الذي لا يشتاق لأن يدله الله على هذه التجارة ? وهنا تنتهي هذه الآية , وتنفصل الجملتان للتشويق بانتظار الجواب المرموق. ثم يجيء الجواب وقد ترقبته القلوب والأسماع: (تؤمنون بالله ورسوله) . .

وهم مؤمنون بالله ورسوله. فتشرق قلوبهم عند سماع شطر الجواب هذا المتحقق فيهم! (وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) . .

وهو الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السورة , يجيء في هذا الأسلوب , ويكرر هذا التكرار , ويساق في هذا السياق. فقد علم الله أن النفس البشرية في حاجة إلى هذا التكرار , وهذا التنويع , وهذه الموحيات , لتنهض بهذا التكليف الشاق , الضروري الذي لا مفر منه لإقامة هذا المنهج وحراسته في الأرض. . .

ثم يعقب على عرض هذه التجارة التي دلهم عليها بالتحسين والتزيين: (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) . .

فعلم الحقيقة يقود من يعلم إلى ذلك الخير الأكيد. .

ثم يفصل هذا الخير في آية تالية مستقلة , لأن التفصيل بعد الإجمال يشوق القلب إليه , ويقره في الحس ويمكن له:

(يغفر لكم ذنوبكم) . .

وهذه وحدها تكفي. فمن ذا الذي يضمن أن يغفر له ذنبه ثم يتطلع بعدها إلى شيء ?

أو يدخر في سبيلها شيئا ? ولكن فضل الله ليست له حدود:

(ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن) . .

وإنها لأربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة - حتى حين يفقد هذه الحياة كلها - ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه المساكن في نعيم مقيم. .

وحقا. .

(ذلك الفوز العظيم) . .

وكأنما ينتهي هنا حساب التجارة الرابحة. وإنه لربح ضخم هائل أن يعطي المؤمن الدنيا ويأخذ الآخرة. فالذي يتجر بالدرهم فيكسب عشرة يغبطه كل من في السوق. فكيف بمن يتجر في أيام قليلة معدودة في هذه الأرض , ومتاع محدود في هذه الحياة الدنيا , فيكسب به خلودا لا يعلم له نهاية إلا ما شاء الله , ومتاعا غير مقطوع ولا ممنوع ?

وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت