(وإذا أنزلت سورة أن آمنوا باللّه وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم , وقالوا: ذرنا نكن مع القاعدين: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون. لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم , وأولئك لهم الخيرات , وأولئك هم المفلحون , أعد اللّه لهم جنات تجري من تحتها الأنهار , خالدين فيها , ذلك الفوز العظيم) سورة التوبة
إنهما طبيعتان. .
طبيعة النفاق والضعف والاستخذاء. وطبيعة الإيمان والقوة والبلاء. وإنهما خطتان. .
خطة الالتواء والتخلف والرضى بالدون. وخطة الاستقامة والبذل والكرامة.
فإذا أنزلت سورة تأمر بالجهاد جاء أولوا الطول , الذين يملكون وسائل الجهاد والبذل. جاءوا لا ليتقدموا الصفوف كما تقتضيهم المقدرة التي وهبها اللّه لهم , وشكر النعمة التي أعطاها اللّه إياهم , ولكن ليتخاذلوا ويعتذروا ويطلبوا أن يقعدوا مع النساء لا يذودون عن حرمة ولا يدفعون عن سكن. دون أن يستشعروا ما في هذه القعدة الذليلة من صغار وهوان , ما دام فيها السلامة , وطلاب السلامة لا يحسون العار , فالسلامة هدف الراضين بالدون:
(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) . .
وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون. .
ولو كانوا يفقهون لأدركوا ما في الجهاد من قوة وكرامة وبقاء كريم , وما في التخلف من ضعف ومهانة وفناء ذميم.
"إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة. وإن ضريبة الذل لأفدح في كثير من الأحايين. وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق , فتختار الذل والمهانة هربًا من هذه التكاليف الثقال , فتعيش عيشة تافهة رخيصة , مفزعة قلقة , تخاف من ظلها , وتفرق من صداها , يحسبون كل صيحة عليهم , ولتجدنهم أحرص الناس على حياة. ."
هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة. إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة. يؤدونها من نفوسهم , ويؤدونها من أقدارهم , ويؤدونها من سمعتهم , ويؤدونها من اطمئنانهم , وكثيرا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون"ومن هؤلاء. ."
أولئك الذين (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) . .
(لكن الرسول والذين آمنوا معه) . .
وهم طراز آخر غير ذلك الطراز. .
(جاهدوا بأموالهم وأنفسهم) . .
فنهضوا بتكاليف العقيدة , وأدوا واجب الإيمان ; وعملوا للعزة التي لا تنال بالقعود (وأولئك لهم الخيرات) . .
خيرات الدنيا والآخرة , في الدنيا لهم العزة ولهم الكرامة ولهم المغنم ولهم الكلمة العالية. وفي الآخرة لهم الجزاء الأوفى , ولهم رضوان اللّه الكريم (وأولئك هم المفلحون) . .
الفلاح في الدنيا بالعيش الكريم القويم والفلاح في الآخرة بالأجر العظيم:
(أعد اللّه لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) . .
(ذلك الفوز العظيم) .
(وجاء المعذّرون من الأعراب ليؤذن لهم , وقعد الذين كذبوا اللّه ورسوله , سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم) . .