ومحل جواز الوجهين إذا لم يمنع من أحدهما مانع. فإن وجد مانع تعين الوجه الآخر، كما في قوله تعالى: (قال أراغب أنت عن ءالهتي يإبراهيم (( 1) فـ (أنت) فاعل سد مسد الخبر - كما تقدم - ولا يعرب (أراغب) خبرًا مقدمًا و (أنت) مبتدأ مؤخرًا. لأمرين:
الأول: أن فيه تقديمًا وتأخيرًا، والإعراب الأول ليس فيه تقديم ولا تأخير.
الثاني: يلزم عليه الفصل بين العامل والمعمول، وذلك لأن (عن آلهتي) متعلق بالخبر (أراغب) فهو معمول له. وقد فصل بينهما بأجنبي وهو المبتدأ (أنت) ، وإنما كان أجنبيًّا؛ لأن الخبر ليس عاملًا في المبتدأ. بخلاف كون (أنت) فاعلًا فإنه معمول (أراغب) ، فلم يفصل بأجنبي، وإنما فُصل بمعموله.
الحالة الثانية: أن يتطابقا تثنية أو جمعًا نحو: أفائزان المحمدان؟ أفائزون المحمدون؟ ويتعين أن يكون الوصف خبرًا مقدمًا وما بعده مبتدأ مؤخرًا، ولا يجوز إعراب الوصف مبتدأ؛ لأنه بمنزلة الفعل. والفعل يتجرد من علامة التثنية والجمع على أفصح اللغتين - كما سيأتي إن شاء الله في باب الفاعل - ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجيَّ هم؟) (2) .
الحالة الثالثة: أن يكون الوصف مفردًا ما بعده مثنى أو جمعًا نحو: أجالس القاضيان؟ أجالس القضاة؟ فيتعين أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعلًا سد مسد الخبر، ولا يعرب خبرًا مقدمًا لفقد شرط المبتدأ والخبر، وهو التطابق في التثنية والجمع.
(1) سورة مريم، آية: 46.
(2) هذا جزء من حديث عائشة - رضي الله عنها - في بدء الوحي. وفيه (فقال ورقة بن نوفل: ليتني أكون حيًا إذْ يخرجك قومك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أومخرجيّ هم؟ قال: نعم . . . ) الحديث متفق عليه.
... ومخرجيّ: أصله: مخرجون. جمع مخرج، من الإخراج، فلما أضيف إلى ياء المتكلم حذفت النون للإضافة. فاجتمعت واو ساكنة وياء. وأدغمت في الياء. وأبدلت الضمة التي قبل الواو كسرة تكميلًا للتخفيف، وهو خبر مقدم. و (هم) مبتدأ مؤخر.