الثاني: أن تكون مسبوقة بنفي محض ، وهو الخالص من معنى الإثبات ، لم ينتقض نفيه بـ ( إلا ) ولا بنفي آخر يزيل أثره ويجعل الكلام مثبتًا ، أو مسبوقة بطلب محض ، وهو أن يكون الطلب بفعل صريح ، وهو الأمر والدعاء والنهي (1) لأن صيغها اللفظية تدل نصًّا وأصالة على الطلب بدون واسطة ، ويلحق بذلك: الاستفهام ، والعرض، والتحضيض ، والتمني ، وكذا الترجي - على الصحيح - فإنها تفيد الطلب ولكنها تدل عليه دلالة غير محضة ، لكون الطلب فيها تابعًا لمعنى آخر يتضمنه - فالتمني - مثلًا لا يدل على الطلب مباشرة ، بل لأن تمني الشيء المحبوب يلزم منه طلب مجيئه ، وهكذا الباقي .. .
فمثال النفي: لم يُسأل فيجيبَ: فالفعل ( يجيبَ ) منصوب بـ ( أنْ ) مضمرة وجوبًا بعد ( فاء ) السببية ، لأن السؤال سبب الإجابة ، وقد تقدم عليها نفي لم ينتقض ، ومنه قوله تعالى: { لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا } ( فاطر: 36) . فـ ( يموتوا ) فعل مضارع منصوب بـ ( أن ) مضمرة وجوبًا ، وعلامة نصبه حذف النون ، والواو: فاعل .
وأما الطلب فيشمل الأمر نحو: احترام الصديق فتدومَ لكَ صداقته ، ومنه قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (البقرة: 117) . فقد قرأ ابن عامر - من السبعة - بنصب ( يكون ) جوابًا لقوله ( كن ) وهو أمر ، أو شبيه بالأمر ، وقرأ الباقون برفع ( يكون ) على الاستئناف ، أو بالعطف على ( يقول ) (2) .
(1) - انظر: حاشية الصبان (3/301) .
(2) - طعن بعض العلماء في قراءة ابن عامر هذه وزعم أنها لحن وهذا كلام مردود ذكرنا ما يبطله في آخر باب الإضافة ، على أن الكسائي وهو إمام الكوفة وأحد القراء السبعة وافق ابن عامر على قراءة النصب في آية النحل ويس ، كما ذكر ذلك مكي وغيره ، فانظر الكشف (1/260) والنحو القرآني ص 32 ودراسات أساليب القرآن (1/2/277) .