الصفحة 27 من 56

فنستدل من هاتين الآيتين السابقتين أن فعل المشركين بالمسلمين من صدهم عن دين الله وإخراجهم من ديارهم هو أشد وأكبر من القتال في الشهر الحرام؛ لأن سبب الآية أن المشركين شنوا على المسلمين حملة لأنهم هتكوا حرمة الشهر الحرام, فأخبر الله جل وعلا أن ما وقع من القتال في الشهر الحرام مفسدة, لكن ما تفعلونه أنتم أيها المشركون من إخراج الناس من ديارهم وكفركم بالله جل وعلا هو أعظم من القتال في الشهر الحرام، وقد نصت الآية على المفاضلة, حيث قال جل وعلا: إن الفتنة أشد وأكبر من القتل, أي افتتان الناس في دينهم وخروجهم من الإيمان إلى الكفر أعظم من قتلهم؛ لأن الإنسان إذا خرج من الإيمان إلى الكفر فسد عليه دينه ودنياه, وصار من أهل النار, أما إذا خرج من الحياة إلى الموت فإنه تفسد عليه دنياه فقط, لكن تسلم له آخرته, ولهذا أنطق الله جلا وعلا تلك المرأة التي وقفت على شفير الأخدود في قصة الغلام التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم، أنطق الله صبيها لتقتحم النار, فإنها لما وقفت ورأت النار ومعها صبيها، أشفقت على نفسها، وأشفقت على صبيها فتراجعت, وعلم الله جل وعلا أن في تراجعها فتنة لها، وافتتانًا في دينها, وربما عاشت سنين معدودة لكنها تنتقل بعد ذلك إلى نار لا تنطفئ أبدًا, فأنطق الله صبيها فقال: (( يا أمه! اصبري؛ فإنك على الحق ) ). فتقدمت فوقعت, فهذا يدل على أن قتل النفس مفسدة, لكن أعظم منه أن يفتن الإنسان في دينه، ويُصرف عن دين الله جل وعلا إلى دين غيره فتضيع عليه أخراه، ولا تنفعه حينئذ دنياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت