أما الجهة الثانية: فهي جهة الاستنباط, وهذه الجهة أوسع من الجهة الأولى؛ لأنه يدخل فيها تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه والتابعين لهم بإحسان, ولا نعني أن تصرفات التابعين حجة بذاتها, لكن قد يكون مجموع تصرفاتهم يدل على معنى اتفقوا عليه، فيكون الدليل هنا هو الإجماع, وليس مجرد فعل التابعي, وهذه الجهة تحتاج إلى تتبع وتفتيش في كتب الأحاديث والسير؛ لجمع النظائر مع بعضها، واستخلاص النتائج منها, وأنا أرجو منكم في هذه الفقرة أن تعيروني سمعكم؛ لأن كثيرًا من الناس يستدل بهذه الجهة لكن مع جهل, فيستدل بما لا يدل, ويقع بسبب ذلك تلبيس على الناس, وهو قد لا يقصد التلبيس، لكن جهله أوقعه في ذلك, وأنا هنا أذكر نماذج يسيرة فقط ويقاس عليها ما هو مثلها, فمن ذلك:
1-البدعة أعظم مفسدة من المعصية, هذه القاعدة استفدناها من مجموع تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم, ونذكر على ذلك مثالين:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم في بدعة الخوارج قال كلامًا شديدًا, فقال عليه الصلاة والسلام: (( هم شر قتلى تحت أديم السماء, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) ).
هل تعرفون كيف يمرق السهم من الرمية؟!
الرمية: هي الشيء المرمي, يعني الغرض الذي يضعه الرامي ليرميه، صيدًا كان أو شيئًا يضعه ليرميه, ولنفترض أنه حمامة مثلا, فإذا رماها بالسهم، قد يكون من شدة رميه لها يدخل السهم من مقدمها فيخرج من مؤخرها ولا يتلوث بدمها ولا روثها من سرعة دخوله فيها, فشبه النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج في دخولهم الإسلام وخروجهم منه بذلك, فلم يجاوز حناجرهم ولم يستفيدوا منه شيئًا كالسهم الذي دخل في هذه الرمية, فخرج منها لم يتلوث ولم يصب منها بشيء؛ من شدة مروقه منها, فكذلك هم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية, حفظ الله لنا ديننا وعافانا مما ابتلاهم به.