الصفحة 37 من 56

فأخبر عليه الصلاة والسلام أن ما يصلهم من الخير والبركة ومعرفة الدين ببقاء النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أعظم من مصلحة هذا المال, ولهذا نجد أن الله تبارك وتعالى قد يصرف عن خيار عباده الدنيا, فلا يصل إليهم من نعيمها وزخرفها شيء يذكر, ويكونون في شدة من الحال، وشظف من المعيشة؛ لأن الله تبارك وتعالى صرف عنهم من الشر وأوصل إليهم من الخير بالإيمان به والرضا أعظم مما دفع عنهم من هذه الدنيا.

4-مفسدة عدم فهم العلم وحمله على غير محمله أعظم من مفسدة كتمان بعض العلم، وقد استفدنا ذلك من مجموع تصرفات بعض الصحابة والتابعين, فأبو هريرة مثلا رضي الله عنه لم يحدث بكل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وكتم بعض ما فيه حديث عن الفتن التي ستقع في عصره, وتسمية بعض من تقع منهم, وهذا ثابت عنه في الصحيح؛ لأن مفسدة إظهار هذا العلم أعظم من مفسدة كتمانه.

ومن الأمثلة أيضا أن الحسن البصري رضي الله عنه كره تحديث أنس بن مالك بحديث العُرنيين عند الحجاج.

هل تعرفون حديث العرنيين؟

هؤلاء بطن من عُرنة جاءوا إلى المدينة مسلمين, فاجتووا المدينة, يعني أن جو المدينة ما ناسبهم فآلمتهم بطونهم, فاشتكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يخرجوا إلى البر، إلى إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها, فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا وزادت صحتهم, فما كان منهم إلا أن قتلوا الراعي واستاقوا النَّعم، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فبعث في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جاؤا بهم، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف, يعني قطعت اليد اليمنى والرجل اليسرى، وسُمِلت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا ....

فأنس حدث بهذا الحديث عند الحجاج, والحجاج مسرف في قتل الأنفس، فهو قد يستغل هذا الحديث في زيادة الإسراف في القتل, فلذلك كره الحسن تحديثه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت