الصفحة 38 من 56

وأيضا كره مالك رضي الله عنه التحديث بأحاديث الصفات مخافة أن يفهمها الناس على غير ما جاءت به فيشبهوا الله بخلقه.

وكره أحمد رضي الله عنه ورحمه التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان في فتنة خلق القرآن, وكره أيضا التحديث بحديث (( ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي ) )؛ لما يفهم من ظاهره أن آية الكرسي مخلوقة.

فمجموع هذه التصرفات تدل على أن مفسدة عدم فهم العلم وحمله على غير محمله أعظم من مفسدة كتمان بعض العلم, فنكتم بعض العلم عن بعض الناس أو في بعض الأحوال؛ لأجل مصلحة عدم فهمه على غير فهمه الصحيح.

الطريق الثاني، وهو: معرفة الواقع في الخلق.

إننا نستطيع أن نتعرف على مراتب المفاسد والمصالح بالنظر إلى واقع الناس, فقد يكون بعض الناس هذه المفسدة بالنسبة إليه أعظم من تلك، وآخر بالعكس, وقد يكون في بلد هذه المفسدة بالنظر إليه أعظم من هذه المفسدة, وبلد آخر بالعكس, فمعرفة أحوال الناس إما بالنظر إلى أعيانهم أو بالنظر إلى بلدانهم وأحوالها ومعرفة أثر المفاسد والمصالح عليهم له أثر في الموازنة بين المفاسد.

نمثل بمثالين، ثم ننقل كلام بن تيمية في هذا الموضوع:

الأول: من المعلوم أن مفسدة الزنى أعظم من مفسدة العشق, لكن لو أن شخصًا زنى مرة واحدة ثم تاب؛ فإنه أهون من تعلق قلبه بالعشق وانشغاله به عن الطاعات, ووقوعه في كثرة التفكير وملاحظة المعشوق وتتبع ما يرضيه؛ فإن في هذا من فساد القلب ما الله به عليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت