الثاني: ما وقع من علماء الدولة العثمانية لما تسلط عليهم كمال أتاترك, وذلك أنهم أفتوا بأن لبس القبعة حرام, ولم يكتفوا بذلك بل عده بعضهم ردة, حتى إن العالِم يوقَف فيمتحن في مسألة القبعة فإن قال إنها حرام شُنق وعلق في الشارع يراه الناس, وإنما كان ذلك بسبب أن كمال أتاترك أراد تغيير الدين واستبداله بدين الكفار, وكان من أظهر علامات ذلك لبس القبعة؛ لأنها كانت مسنمة من الأمام، فلابسها لا يستطيع أن يصلي إلا أن يخلعها, وكان فيها تشبه بالكفار, فقد يقول قائل: إنهم شددوا في هذا الموضوع, لكن إذا عرفت واقعهم وسبب فتواهم في ذلك عذرتهم في هذا.
وكذلك مما يتصل بهذا الموضوع أن بعض الناس يعيش في دولة أوروبية, أو يعيش في دولة يتسلط فيها الكفار، والحكم فيها لغير المسلمين، فتقع عندهم مشكلة, فيتصل بعالم من العلماء بعيد عن الواقع الذي هو فيه فيصف له المسألة، لكنه لا يعطيه الواقع كما هو, ولا ملابسات الموضوع كما هي, فيفتي هذا العالم بما يظهر له، ثم تكون فتواه فتنة لهذا البلد, والواجب أن السائل ينقل الصورة كما هي بجميع تفاصيلها، وينقل له الواقع أيضا كما هو؛ فإن البلد الذي تطبق فيه أحكام الشريعة ويأمن الناس فيه على دينهم ويستطيعون أن يصلوا الصلوات الخمس في أوقاتها وشعائر الإسلام ظاهرة, ليس كالبلد الذي لا يكون فيه شيء من ذلك, ولهذا يقول بن تيمية رحمه الله:"المؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة,كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة؛ ليقدم ما هو أكثر خيرًا وأقل شرًا على ما هو دونه, ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما, ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما, فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدين لم يعرف أحكام الله في عباده".