الصفحة 41 من 56

"الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز، وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدِّمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه؛ فإنه لا يجوز لمن كان عاصيًا أن يُقتل ولا يرمى به في النار أو البحر، وإنما تجري عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته، وقد ظن بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تُضربُ عليهم فيطرح بعضهم تخفيفًا، وهذا فاسد؛ فإنها لا تخف برمي بعض الرجال، وإنما ذلك في الأموال، ولكنهم يصبرون على قضاء الله عز وجل".

فإن قيل: هل يجوز لأحدهم أن يهلك نفسه؟

فنقول: الإهلاك هنا غير متحقق؛ لأنه إذا ألقى نفسه في الماء قد يحيا ويعيش ولا يموت, فلا يكون ذلك من الانتحار, وقد يقال: إنه حتى لو تحقق أنه ربما يموت, فإن الإيثار هنا محمود، كقوم جياع وجدوا ما لا يكفيهم جميعًا، وإنما يكفي بعضهم، فيشرع لهم الإيثار، مع أنهم يوقنون أنهم لو لم يأكلوا لماتوا، فهنا لا يكون الشخص منتحرًا؛ لأنه ميت أصلا، لكنه يستطيع أن ينقذ غيره قبل أن يموت.

2-إذا تعارض بالنسبة للمرأة بين أن تُكره على الفاحشة وبين أن تنتحر؟

فالذي يظهر والله أعلم أنه لا يجوز الانتحار, لكن يجب عليها أن تدافع عن نفسها بما تستطيع, ولو ترتب على هذه المدافعة أن تقتل؛ لأن مفسدة قتل النفس أعظم من مفسدة الزنا, بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود لما سأله أي الذنب أعظم؟ قال: (( أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ) ), قال: ثم أي؟ قال: (( أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ) ), قال ثم أي؟ قال: (( أن تزاني حليلة جارك ) ).

فالإنسان يدافع بقدر ما يستطيع, ولا شك أن حفظ عرضه أولى من حفظ نفسه, فهو حينما يدافع يدافع عن عرضه، ولو ترتب على ذلك فوات النفس, لكنه لا يبادر هو بقتل نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت