الصفحة 42 من 56

وقد عُرضت على الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- مسألة قريبة من هذه المسألة, وهي أنه ورد له استفتاء -أظن من الجزائر لما كان تحت الاستعمار الفرنسي- أن المجاهد إذا أُسر يعذبه العدو عذابًا شديدًا؛ حتى يضطر لإعطائهم بعض المعلومات عن مواقع المجاهدين, فهل يجوز له أن يقتل نفسه ولا يفشي السر أم لا؟

فتوقف الشيخ -رحمه الله- في هذه المسألة, واستشهد لها بقصة الغلام الذي دل على طريقة قتل نفسه حينما حاول الملك أن يقتله فلم يستطع, لكنه بيّن الفرق بين قصة الغلام والواقعة التي سُئل عنها, وهي أن الغلام لم يقتل نفسه بنفسه, وإنما دل على الطريقة التي يُقتل بها, وهذا فرق مؤثر.

ومن هذا أيضًا العمليات الاستشهادية, والتي يسميها بعضهم الانتحارية, حينما يفجّر المقاتل نفسه لكي يثخن في العدو, وأهل العلم فيها على قولين, وإن كان كثير منهم يرون جواز فعلها لما يترتب عليها من المصلحة.

3-لو جاع إنسان فوجد ميتة, فهل يأكل من الميتة أم يسأل الناس؟

فهنا تعارض عند الشخص مفسدتان, المفسدة الأولى: الأكل من الميتة, والمفسدة الثانية: سؤال الناس, وسؤال الناس محرم في الأصل, إنما يباح للمحتاج, وكذلك الميتة محرمة, وإنما تباح للحاجة, فأيهما أعظم مفسدة, أن يأكل من الميتة أو يسأل الناس؟

من أهل العلم من يرى أن الأكل من الميتة أقل مفسدة من سؤال الناس, فيأكل ولا يسأل؛ لأن السؤال فيه ذل, وتعريض النفس للمهانة, والمسلم ينبغي له أن ينأى عن ذلك, ولهذا جاءت أحاديث بالوعيد الشديد على من يسأل الناس تكثّرًا, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اليد العليا خير من اليد السفلى ) ), بينما في أكل الميتة سيحفظ كرامته, وإن كان ربما أضرّ ببدنه شيئًا يسيرًا, لكن هذا الضرر محتمل؛ لأنه لن يداوم على الأكل، وإنما سيأكل حتى يجد غير هذه الميتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت