ومن ذلك مثلا قاعدة [درء المفاسد أولى من جلب المصالح] فإن هذه القاعدة محل نزاع بين أهل العلم, ومن يرى صحتها يبني عليها عددا من الفروع, ومن لا يرى صحتها ويرى تقديم المصلحة على المفسدة يبني أيضا على ذلك عددًا من الفروع.
والشاهد من ذلك: أنك إذا أردت أن تستدل بها فلا بد أن تكون ثابتة بدليل صحيح.
ولهذا نجد من أهل العلم من يرد بعض القواعد ويناقشها ويبطلها مع أنها قاعدة من قواعد مذهب من المذاهب.
وفائدة هذا: أن لا يكون همك هو الاستكثار من معرفة القواعد، بقدر ما يكون همك أيضا معرفة دليل هذه القاعدة, ولا شك أن معرفة هذه القواعد سواء أصحت من حيث الدليل أم لم تصح مفيد، لكن ينبغي أن نقسم عملنا ونرتبه, فنضبط أولا القواعد التي صح دليلها حتى تكون سندا لنا في إصدار الأحكام, ثم بعد ذلك يكون هناك مرتبة أخرى في معرفة القواعد الأخرى التي هي محل نزاع بين أهل العلم، وقد يصح فيها الدليل وقد لا يصح؛ لكي تضبط لنا الفروع الفقهية ونعرف مآخذ الفقهاء فيما يذهبون إليه من الأقوال.
رابعًا: التطبيق على القاعدة الفقهية .
كيف نطبق على القاعدة الفقهية؟
نحن قلنا في فوائد القواعد الفقهية: استخراج أحكام لوقائع حادثة, كيف يمكن أن أتعرف على حكم الواقعة الحادثة بناء على القواعد الفقهية التي استقرت في ذهني؟
تحتاج إلى ثلاث خطوات مهمة:
الخطوة الأولى: فهم القاعدة الفقهية فهمًا صحيحًا بشروطها وضوابطها, وهذا لا يتيسر إلا بالاستكثار من الفروع الفقهية، يعني تكون دائم القراءة في كتب الفقهاء، ودائم التطبيق للقواعد؛ لكي تعرف كيف يطبقون القاعدة، وكيف يلاحظون شروطها، وما هي الاستثناءات، وما هي أسباب هذه الاستثناءات، حتى لا تخطئ في إدخال الفرع الفقهي تحت هذه القاعدة.
فإذا حصل لك الفهم الكلي الصحيح والتصور المنضبط بشروط القاعدة، تأتي إلى الواقعة -وهذه هي الخطوة الثانية- وتتعرف عليها تعرفا يزيل عنك الجهل بحقيقتها.