إن أهم ما يُعنى به الموفق لطاعة مولاه هو إصلاح تلك المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله ، وفي الصوم والاعتكاف من الإصلاح الشيء الكثير .ولنقرأ الآن ما فتح الله به على طبيب القلوب ابن القيم -رحمه الله - حيث يقول - وما أحسن ما قال -:"اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب .. وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى .. فيصير أنسه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق، فيُعِدُّه بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور ،حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه ، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم . ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم ، شرع لهم الاعتكاف في أفضل أيام الصوم ، وهو العشر الأخير من رمضان" (1) و إن الاعتكاف سنة فاضلة في زمن فاضل ، وقد صار سنة مهجورة لا تكاد تعرف في بعض البلاد، فكان إحياؤه آكد وأعظم أجرًا ؛ لأن السنة كلما هجرت كان الأجر في إحيائها أعظم ، ونظير ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخّر العشاء إلى ثلث الليل قال لهم"ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" (2) قال ابن رجب:"وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر الله في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر له" (3)
ومما يؤكد أفضلية الاعتكاف وعظيم شأنه أمور منها:
1-أن في تلك العشر ليلة هي خير من ألف شهر ، أي خير من ثلاث وثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر، وإنما كان يعتكف - صلى الله عليه وسلم - رجاء أن يوافقها ، بل قد اعتكف العشر الأوّل ثم الأوسط ، ثم أطْلع رأسه فكلم الناس ، فدنوا منه ، فقال"إني اعتكفت العشر الأوّل ، ألتمس هذه الليلة ، ثم اعتكفت العشر الأوسط ، ثم أُتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر ، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف" (4) .
(1) اد المعاد ( 2/82 )
(2) البخاري ( 569 ) ومسلم ( 639 )
(3) اللطائف ص 251
(4) مسلم ( 2763 )