الصفحة 14 من 22

ويا من يقتدى بكم: كيف يقتدي الناس بطيب أقوالكم، ولم يروا الطيب من أفعالكم؟ فاحذروا أن تكونوا كما قال أبو حازم -رحمه الله -"رضي الناس من العمل بالعلم، ورضوا من الفعل بالقول!" (1) ويا أيها الشباب: تناديكم امرأة من التابعيات وهي حفصة ابنة سيرين - رحمها الله- فتقول:"يا معشر الشباب! اعملوا فإنما العمل في الشباب" (2) واعتكاف الشباب أعظم اجرًا من غيرهم؛ لأن داعي الشهوة والهوى أقوى، وفي بعض الآثار:"أيها الشاب التارك لشهوته، المتبذل شبابه من أجلي: أنت عندي كبعض ملائكتي" (3) . ولذلك فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:"شاب نشأ في عبادة ربه عز وجل"و"رجل معلق قلبه بالمساجد"وكلا الوصفين يحصلان في الاعتكاف.هذا وقد أنعم الله على طلاب المدارس والجامعات ومدرسيهم بإجازة طيلة أيام العشر الأخير في رمضان، وهم مغبونون بذلك، فما عذرهم؟ وهل يليق بهم أن يقضوا تلك الإجازة في سهر أو لهو أو نزهة أو سفر لا طائل تحته؟ ثم أهم أشد شغلًا من رسولهم صلى الله عليه وسلم الذي لم يدع الاعتكاف أبدًأ، مع أن قضايا الأمة تدار من عنده؟

رأى شريح جيرانًا له يجولون، فقال: مالكم؟ فقالوا: فرغنا اليوم. فقال شريح: وبهذا أمر الفارغ؟ (4)

وإن منهم لمن يقول: أعتمر في العشر أفضل من أن أعتكف! والحقيقة أن الجمع بينهما أكمل، وإن كان لايقدر إلا على أحدهما، فالاعتكاف أفضل لوجهين:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعتمر، وإنما يعتكف، وهو لا يفعل إلا الأكمل والأفضل.

أن الاعتكاف مهجور في كثير من المساجد، وإحياؤه - حينئذٍ - أولى من العمرة التي يتنافس عليها معظم العباد في هذا الزمان) (5) .

(2) اقتضاء العلم العمل / الخطيب رقم (190 - 94)

(3) فتح الباري / ابن رجب (4/ 62)

(4) الاقتضاء (174)

(5) مذكرة العلوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت