فهرس الكتاب
ولقد تمثل المجتمع الإسلامي الأول ذلك البر وتعامل معه واقعًا عمليًا وتطبيقيًا فيروي لنا الإمام مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا خرج إلى مكة له حمار يتروح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة، وعمامة يشدّ بها رأسه، فبينما هو يومًا على ذلك الحمار، إذ مر به أعرابي فقال: ألست ابن فلان ابن فلان؟ قال: بلى. فأعطاه الحمار، وقال: اركب هذا، والعمامة قال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تتروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك، فقال: إني سمعت رسول الله - - يقول: (( إن من أبر البر صلة الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي وإن أباه كان صديقًا لعمر - رضي الله عنه - ) ) [1] .
وبلغ بهم الأمر أن يسافر أحدهم ليصل أصدقاء أبيه، ففي المسند أن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: (( أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قُبض فيه، فقال لي: يا ابن أخي: ما أعمدك إلى هذا البلد؟ أو ما جاء بك؟ قال: قلت: لا. إلا صلة ما كان بينك وبين والدي عبدالله بن سلام .... ) ) [2] .
وها هو عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يكرّر الأمر مع أبي بردة، فعن هدبة بن خالد عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فأتاني عبدالله بن عمر فقال: أتدري لم أتيتك؟ قال: قلت: لا. قال: سمعت رسول الله - - يقول: (( من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده ) )، وأنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وودٌّ [3] ، فأحببت أن أصل ذلك.
(1) صحيح مسلم، مرجع سابق، جزء 8، ص 6.
(2) المسند، مرجع سابق، جزء 6، ص 500.
(3) الترغيب والترهيب، ج 3، ص 323، وذكره الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم 1432.