الصفحة 45 من 67

وهكذا فالمسن له مكانته في حياة الرسول - -، ولقد اتبع ذلك أصحابه - رضي الله عنهم - ومن بعدهم، فهذا عمر الفاروق - رضي الله عنه- يتعاهد امرأة عجوزًا في بيتها، فتورد كتب التاريخ أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج في سواد الليل، فرآه طلحة، فذهب عمر فدخل بيتًا ثمَّ دخل بيتًا آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة. فقال لها: (( ما بال هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى ... ) ) [1] .

ولقد تطبّع أفراد المجتمع المسلم بذلك الخلق وتوارثوا توقير الكبير واحترامه وتقديره، واتباعًا لسنة رسولهم - -، فكان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - من أشد الناس توقيرًا لإخوانه ولمن هو أسن منه، فقد روى عنه المروزي أنه جاءه أبو همام راكبًا على حماره، فأخذ له الإمام أحمد بالركاب. وقال المروزي: رأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ [2] .

وذكر ابن الجوزي عن ابن سعيد الأشج أنه قال: (( حدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال: لو كنت أسن مني بليلة ما تقدمتك ) ) [3] ، فهذا خلقهم فالأسن مقدم ولو كان الفارق ليلة فكيف بسنة أو سنوات؟! فذلك من باب أولى، وروى الحسن بن منصور قال: كنت مع يحيى وإسحاق بن راهويه يومًا نعود مريضًا فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق، وقال ليحيى: تقدم أنت، قال: يا أبا زكريا أنت أكبر مني [4] .

(1) تاريخ عمر بن الخطاب، ابن الجوزي، مكتبة المؤيد، الطائف، 1987م، ص 86.

(2) الآداب الشرعية والمنح المرعية، مرجع سابق، جزء 1، ص 470.

(3) كتاب الحدائق في علم الحديث والزهديات، ابن الجوزي، جزء 3، ص 105.

(4) الآداب الشرعية والمنح المرعية، مرجع سابق، جزء 3، ص 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت