فهرس الكتاب
وتتوالى الوصايا من الآباء إلى الأبناء بامتثال ذلك الخلق والحث على التحلي به وعدم التفريط فيه. فهذا البخاري يروي أن قيس بن عاصم السعدي أوصى بنيه حين حضرته الوفاة وصية طويلة جاء فيها: ( ... وسودوا أكابركم؛ فإنكم إذا سودتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة، وإذا سودتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم ... ) [1] . بل وصل بهم الأمر إلى التشديد في هذه المسألة، فلقد رأى إبراهيم بن سعد شبابًا قد تقدموا على المشايخ فقال: ما أسوأ أدبكم، لا أحدثكم سنة [2] .
ولا شك أن مقتضى التوقير والاحترام للمسنِّين في المجتمع المسلم الاستفادة من خبرتهم وحكمتهم وتجاربهم في الحياة، لذلك قام الإمام أبو حاتم السجستاني (ت235هـ) ، بتأليف كتاب سماه: (المعمّرين من العرب) جمع فيه أخبار أكثر من (100) معمّر من العرب، أورد على لسانهم بعض الحكم وتجارب الحياة الطويلة التي مرت عليهم، وبعض القصائد والأبيات الشعرية في الحياة الطويلة وما يمر على الإنسان فيها.
ولقد تشرب المجتمع المسلم ذلك الطبع وهذا الاحترام والتوقير لكبار السن، وأصبح سمة من سماته، فلا تكاد تجد كتاب حديث، أو زهد، أو توجيهات، أو نصح إلا ويعقد فيه باب أو أكثر عن توقير الكبير، أو تسويده، أو احترامه، أو إكرامه، بل وضعوا قواعد لذلك، فيقرر ابن عقيل أن من مشى مع إنسان أكبر منه فيمشي عن يمينه يقيمه مقام الإمام في الصلاة، وإن كانوا جماعة فيستحب مشي الجماعة خلف الكبير [3] .
إذًا فالمسنُّ في المجتمع المسلم يعيش في كنف أفراده، ويجد له معاملة خاصة تتميز عن الآخرين، ولم تقتصر هذه الرعاية والعناية على المسن المسلم، بل امتدت يد الرعاية لتشمل غير المسلم طالما أنه يعيش بين ظهراني المسلمين.
(1) الأدب المفرد، مرجع سابق، ص 319.
(2) الآداب الشرعية والمنح المرعية، مرجع سابق، جزء 3، ص 269.
(3) الآداب الشرعية والمنح المرعية، مرجع سابق، جزء 3، ص 266.