الصفحة 47 من 67

فها هي كتب التاريخ تسطر بأحرف ساطعة موقف عمر - رضي الله عنه- مع ذلك الشيخ اليهودي الكبير، فقد مرّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه فقال: من أيّ أهل الكتب أنت؟ قال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر - رضي الله عنه - بيده فذهب به إلى منزله، فرضخ له - أي أعطاه- من المنزل بشيء ثمَّ أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إذا أكلنا شبيبته ثمَّ نخذله عند الهرم، (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) )فالفقراء هم المسلمون والمساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه )) [1] .

وهذا خالد بن الوليد يمارس دوره في رعاية المسنِّين ويعطيهم حقهم من الرعاية والعناية في المجتمع، حتى وإن لم يكونوا مسلمين، فلقد صالح أهل الحيرة، وجاء في صلحه معهم أنه قال: (( وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت المسلمين ... ) ) [2] .

ومن بعد خالد بن الوليد - رضي الله عنه - يسير عمر بن عبد العزيز -رحمه الله - في ذلك الركب المبارك ويؤدي دوره الرعوي نحو رعيته فها هو يكتب لعامله عدي بن أرطأة في رسالة طويلة ما نصه: (( ... وانظر مَنْ قبلك من أهل الذمَّة من قد كبرت سنه وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه ... ) ) [3] . ولقد قرر أبو يوسف في كتابه (الخراج) أن الجزية لا تؤخذ من الشيخ الكبير الذي لا يستطيع العمل، ولا شيء له [4] .

(1) الخراج، أبو يوسف، تحقيق: محمد إبراهيم البنا، دار الإصلاح، 1981م، ص 259.

(2) الخراج، مرجع سابق، ص 290.

(3) الأموال، القاسم بن سلام، تحقيق: محمد عمارة، دار الشروق، بيروت، ص 121.

(4) الخراج، مرجع سابق، ص 254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت