فهرس الكتاب
ولم يتوقف الأمر عند هذه الغزوة أو هذا الجيش فحسب، بل تكرر ذلك منه - رضي الله عنه -. فيروي مالك في الموطأ أن أبا بكر الصديق بعث جيوشًا إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع من تلك الرباع ... ثمَّ قال: ... وإني موصيك بعشر: لا تقتل امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا ... [1] .
وعلى الدرب نفسه سار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلقد أوصى قادة جيشه وكان مما قاله: (( .. لا تقتلوا هرمًا، ولا امرأة، ولا وليدًا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند حمة النهضات، وفي شن الغارات .. ) ) [2] .
ولا عجب أن تتوالى هذه الوصايا بالمسنِّين والحث على رعاية الشيوخ والتأكيد على قادة الجيوش بالحرص على ذلك الأمر من الرسول - - ثمَّ الخلفاء الراشدين من بعده، فالمصدر واحد والمشرب من نبع صاف هو الإسلام.
سادسًا: بعض الأحكام الفقهية الخاصة بالمسنِّين
امتازت شريعة الإسلام باليسر والتخفيف على أتباعها. قال تعالى في محكم كتابه: ... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... { [سورة البقرة: أية 185] ، ومن المعلوم أن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، ولئن كان هذا لعموم المسلمين فهو لكبار السن والضعفاء بشكل أخص، انطلاقًا من القاعدة الفقهية (المشقة تجلب التيسير) ، ومن هنا نجد الإسلام قد راعى في أحكامه الضعف الذي يعيشه كبير السن، ورتب على ذلك أحكامًا خاصة بهم تتصف باليسر والتجاوز مراعاة لحالتهم الصحية والبدنية، فنجد في بعض العبادات لهم معاملة وأحكامًا خاصة وفيما يلي عرض لها بشكل موجز:
(1) موطأ الإمام مالك، ص 297. وكذلك: السنن الكبرى، جزء 9، ص 152. وكذلك: فتوح الشام، الواقدي، الناشر: عبدالحميد أحمد حنفي، القاهرة، جزء1، ص 4.
(2) خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، محمد أحمد عاشور، دار الاعتصام، ص 122.