كيف يفسر حديث رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
وقوله لمعاذ: «قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا، وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا [1] »
وقوله: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ» .فكل هذه الأحاديث تدل على أن من أقر بالشهادتين حرم الله عليه النار
نرجو البيان والاستفاضة وجزاكم الله كل خير
الجواب:
لا يمكن أن نفهم الأحاديث على ظاهرها وإلا أبطلنا جزءًا كبيرًا من الكتاب والسنة .... ، والأحكام لا تؤخذ من حديث واحد، ولا تفهم إلا كما فهما الفقهاء والمحدثون ...
وهنا أذكر فائدة جليلة: حول الأحاديث التي مرت وغيرها التي وردت فيمن قال لا إله إلا الله، وأنه محرم على النار صاحبها أو قائلها، ذكرها الحافظ عبد العظيم المنذري بعد ذكره الأحاديث في الترغيب في قول لا إله إلا الله، قال ما نصه:
1 -قد ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال لا إله إلا الله دخل الجنة أو حرم الله عليه النار ونحو ذلك إنما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد؛ فلما فرضت الفرائض وحدت الحدود نسخ ذلك والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة. وإلى هذا القول ذهب الضحاك والزهري وسفيان الثوري وغيرهم
2 -وقالت طائفة أخرى لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك؛ فإن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته؛ فإذا أقر ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحدًا أو تهاونًا على تفصيل الخلاف فيه، حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة وهذا القول أيضا قريب
وقد أشار - صلى الله عليه وسلم - لهذا المعنى فقال: {لَا تَزَالُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَنْفَعُ مَنْ قَالَهَا وَتَرُدُّ عَنْهُمْ الْعَذَابَ وَالنِّقْمَةَ مَا لَمْ يَسْتَخِفُّوا بِحَقِّهَا، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الِاسْتِخْفَافُ بِحَقِّهَا؟ قَالَ يَظْهَرُ الْعَمَلُ بِمَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُنْكَرُ وَلَا يُغَيَّرُ} رواه الأصبهاني
3 -وقالت طائفة أخرى التلفظ بكلمة التوحيد سبب يقتضي دخول الجنة والنجاة من النار بشرط أن يأتي بالفرائض ويجتنب الكبائر فإن لم يأت بالفرائض ولم يجتنب الكبائر لم يمنعه التلفظ بكلمة التوحيد من دخول النار وهذا قريب مما قبله أو هو هو. والله سبحانه وتعالى أعلم
ا. هـ الترغيب والترهيب 2/ 266. دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى، 1417 هـ تحقيق: إبراهيم شمس الدين
وكتبه:
خادم العلم محمد مهدي قشلان
رجاء دعوة صالحة
(1) ومعنى تأثم معاذ أنه كان يحفظ علما يخاف فواته وذهابه بموته فخشي أن يكون ممن كتم علما، فيكون آثما، فاحتاط وأخبر بهذه السنة مخافة من الإثم، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن الإخبار بها نهي تحريم، أو أنه إنما نهاه عن الإذاعة والتبشير العام، خوفا من أن يسمع ذلك من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكل.