الفصل الثالث
فَرقًا من معتقدات أهل الكتاب
فأما الأمة الغضبية وأمة الضلال فلتهنهم علوم دلتهم على أن الله ندم على خلق البشر حتى شق عليه، وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، ودلتهم على أن يناجوا في صلاتهم بقولهم: يا إلهنا إنتبه من رقدتك كم تنام، ينخونه حتى يتنخى لهم ويعيد دولتهم، ولتهن أمة الضلال علومهم التي فارقوا بها جميع شرائع الأنبياء وخالفوا بها المسيح خلافا تتحققه علماؤهم في كل أمره، وعلومهم التي قالوا بها في رب العالمين ما قالوا مما كادت السموات تنشق منه والأرض تنفطر والجبال تنهد لولا أن أمسكها الحليم الصبور، وعلومهم التي دلتهم على التثليث، وعبادة خشبة الصليب والصور المدهونة بالسيرقون والزنجفر، ودلتهم على قول عالمهم أفريم أن اليد التي جبلت طينة آدم هي التي عُلقت على الصلبوب، وأن الشبر الذي ذرعت به السموات هو الذي سمر على الخشبة، وقول عالمهم عريقودس: من لم يقل أن مريم والدة الله فهو خارج عن ولاية الله!! [1]
نعم أعداء الأنبياء هم الذين قالوا لنبيهم: (لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتى نَرى اللَهَ جَهرَةً) وقالوا له: (إِذهَب أَنتَ وَرَبُكَ فَقاتِلا) وقتلوا نفسا وطرحوا المقتول على أبواب البرآء من قتله, ونبيهم حي بين أظهرهم وخبر السماء والوحي يأتيه صباحا ومساء، فكأنهم جوزوا أن يخفى هذا على الله كما يخفى على الناس؟! وهم الذين سارعوا إلى محاربة أنبيائه وقتلهم وحبسهم ونفيهم وتحيلوا على تحليل محارمه وإسقاط فرائضه بأنواع الحيل ..
>وقد أُمروا أن يدخلوا باب المدينة التي فتحها الله عليهم سجدا ويقولوا حطة، فيدخلوا متواضعين لله سائلين منه أن يحط عنهم خطاياهم، فدخلوا يزحفون على أستاهم بدل السجود لله، ويقولون: هنطا سقمانا أي حنطة سمرا، فذلك سجودهم وخشوعهم، وهذا استغفارهم واستقالتهم من ذنوبهم ...
وقد أراهم من آيات قدرته وعظيم سلطانه وصدق رسوله مالا مزيد عليه، ثم أنزل عليهم بعد ذلك كتابه وعهد إليهم فيه عهده وأمرهم أن يأخذوه بقوة فيعبدوه بما فيه كما خلصهم من عبودية فرعون والقبط فأبوا
(1) "هداية الحيارى"لابن القيم.