فهرس الكتاب
فإنه لا سبيلَ إلى السعادةِ والفلاحِ لا في الدنيا ، ولا في الآخرةِ ، إلا على أيدي الرسلِ ، ولا سبيلَ إلى معرفةِ الطَّيِّبِ والخبيثِ على التفصيلِ إلا من جهتهم ، ولا يُنالُ رضا اللهِ البتَّةَ إلا على أيديهم ، فالطَّيِّبُ من الأعمالِ والأقوالِ والأخلاقِ ، ليس إلا هديُهم وما جاءوا به ، فهم الميزانُ الراجِحُ الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقِهم تُوزَنُ الأقوالُ والأخلاقُ والأعمالُ ، وبمتابعَتِهم يتمَيَّزُ أهلُ الهدى من أهلِ الضلالِ ، فالضرورةُ إليهم أعظمُ من ضرورةِ البدنِ إلى روحِه ، والعينِ إلى نورِها ، والروحِ إلى حياتها. فأيُّ ضرورةٍ وحاجةٍ فُرِضَتْ ، فضرورةُ العبدِ وحاجتُه إلى الرُّسُلِ فوقَها بكثير . وما ظنُّكَ بمن إذا غابَ عنك هديُه وما جاءَ به طرفةَ عين ، فَسَدَ قلبُكَ ، وصارَ كالحوتِ إذا فارقَ الماءَ ، ووُضِعَ في المقلاةِ ؟ فحالُ العبدِ عندَ مفارقةِ قلبِه لما جاءَ به الرسلُ ، كهذه الحالِ ، بل أعظمُ ، ولكن لا يُحِسُّ بهذا إلا قلبٌ حيٌّ .
وما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ (281)
هذا وقد اختلفَ الناسُ في الفَرْقِ بينَ الرِّسالةِ والنبوةِ ، أو بالأصَحِّ بينَ الرَّسولِ والنبيِّ ، فمنهم من قال: النبيُّ هو مَنْ نَبَّأَهُ الله بخبرِ السَّماءِ ولم يأْمُرْهُ أن يبلِّغَ غيرَه . والرسولُ هو مَنْ نبَّأَه الله بخبرِ السماءِ وأمرَه أن يبلِّغَ غيرَه (282) .
ومنهم من قال: النبيُّ هو من بَعَثَه الله بشريعةٍ جديدةٍ يدعو إليها ، أو بعثه لتقريرِ شريعةٍ سابقةٍ . والرسولُ هو من بعثه الله بشريعةٍ جديدةٍ يدعو إليها (283) .