فهرس الكتاب
وللحافِظِ ابنِ حَجَرَ كلامٌ جامعٌ للمعنى الذي لأجله خُصَّتْ هذه المعجزةُ بالذكرِ هنا وها نحن نذكُرُه ، قال: ( قوله"وإنما كان الذي أوتيتُه وحيًا أوحاه الله إليَّ"أي: أن معجزتي التي تحدَّيْتُ بها ؛ الوحيُ الذي أُنزِلَ عليَّ ، وهو القرآنُ ، لما اشْتَمَلَ عليه من الإعجازِ الواضحِ ، وليس المرادُ حصرَ معجزاته فيه ، ولا أنه لم يؤتَ من المعجزاتِ ما أوتيَ من تَقَدَّمَه ، بل المرادُ أنه المعجزةُ العظمى التي اختُصَّ بها دونَ غيره ، لأن كلَّ نبيٍّ أُعطِيَ معجزةً خاصةَ به لم يعطَها بعينِها غيرُه تحدّى بها قومَه ، وكانتْ معجزةُ كلِّ نبيٍّ تقَعُ مناسِبَةً لحالِ قومه ، كما كان السحرُ فاشيًا عندَ فرعونَ فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنَعُ السحرةُ ، لكنها تلقَّفَتْ ما صنعوا ، ولم يقعْ ذلك بعينه لغيره .
وكذلك إحياءُ عيسى الموتى ، وإبراءُ الأكْمَهِ والأبرَصِ ، لكون الأطباءِ والحكماءِ كانوا في ذلكَ الزمانِ في غايةِ الظُّهورِ ، فأتاهم من جنسِ عَمَلِهم بما لم تَصِلْ قدرتُهم إليه . ولهذا لما كان العربُ الذين بُعِثَ فيهم النبيُّ ( في الغايةِ من البلاغةِ ؛ جاءهم بالقرآنِ الذي تحداهم أن يأتوا بسورةٍ مثلِه فلم يقدِروا على ذلك .
وقيل: المرادُ أن القرآنَ ليس له مثلٌ لا صورة ولا حقيقة ، بخلافِ غيره من المعجزات ، فإنها لا تخلو عن مثلٍ .
وقيلَ: المرادُ أن كلَّ نبيٍّ أُعطِيَ من المعجزات ما كان مثلُه لمن كان قبلَه صورةً أو حقيقةً ، والقرآنُ لم يؤتَ أحدٌ قبلَه مثلَه . فلهذا أردَفه بقوله:"فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعًا".