فهرس الكتاب
ولا نأمَنُ أن تخلُوَا هذه النصوصُ من التحريفِ ، ولكنها تؤيِّدُ بعضَ ما قلناه . وإذا تقرَّرَ ذلك ، فنعودُ إلى أصلِ كلامِنا في هذه الفقرةِ لبيانِ عمومِ رسالته ( ، قال النووي [ قوله (:"وبعثت إلى كلِّ أحمرٍ وأسود"وفي الروايةِ الأخرى:"إلى الناسِ كافةً"قيلَ المرادُ بالأحمرِ: البيض من العجمِ وغيرهم ، وبالأسود: العربُ لغلبةِ السُّمرةِ فيهم وغيرُهم من السودان . وقيل: المرادُ بالسودِ السودان ، وبالحمر: من عداهُم من العربِ وغيرِهم . وقيل: الأحمرُ الإنس ، والأسود الجن . والجميعُ صحيحٌ فقد بُعِثَ إلى جميعهم(364) .
وأقولُ: أما بعثَتُه إلى الإنسِ والجنِّ من عهدِه ( إلى قيامِ الساعةِ فبإجماعٍ من الأمةِ ، وأدِلَّتُه متواترةٌ ، ذكرَ ذلك غيرُ واحدٍ . وإنما حصلَ الخلافُ في بعضِ اللَّطائِفِ ، كبعثَتِه للملائكةِ ، وبعثتِه للأممِ التي سبَقَتْه من لدنْ آدمَ ، وبعثتِه إلى الشجرِ والحجرِ والدوابِ والأنعامِ ونحوها ، والقولُ بهذا جميلٌ جدًا ومتَّجِهٌ إذا كان بمعنى الشهادةِ له بالنبوةِ ، والاعترافِ برسالته ، وأما التكليفُ فلا يتَّجِهُ . ويُقَوّي هذا قولُه (:"وأرسِلْتُ إلى الخلقِ كافةً".
قال الشيخُ تقيُّ الدينِ السبكي - رحمه الله - في كتابه: ( التعظيمُ والمنة ) في ? ? ?: [ في هذه الآيةِ من التنويهِ بالنبيِّ ( وتعظيمِ قدرِه العليِّ ما لا يخفى ، وفيه مع ذلك أنه على تقديرِ مجيئِه في زمانهم يكونُ مرسَلٌ إليهم ، فتكون نبوَّتُه ورسالتُه عامةً لجميعِ الخلقِ من زمنِ آدمَ إلى يومِ القيامة ، وتكونُ الأنبياءُ وأممُهم كلُّهم من أمتِه ، ويكون قوله:"بعثتُ إلى الناسِ كافةً"لا يختَصُّ به الناسُ من زمانِه إلى يومِ القيامة ، بل يتناوَلُ من قبلَهم أيضًا . ويتبينُ من ذلك معنى قوله (:"كنتُ نبيًا وآدمُ بين الروحِ والجسدِ"(365) .