فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 268

وهكذا نشطتْ حركةُ التصنيفِ في الحديثِ ، وما من حديثٍ يُنسَبُ للنبيِّ ( ويُعتَقَدُ نسبتُه إليه ، إلا ويُشتَرَطُ أن يكون مَروِياًّ في أحدِ المصنَّفاتِ المشهورةِ بإسنادٍ من صاحبِ هذا المصنف إلى النبي ( ، ويشتَرَطُ فيه أن يكونَ بروايةِ العدلِ( الذي ثَبَتَتْ عدالتُه بألا يُعرَفَ بارتكابِ شيءٍ من المنهياتِ ، ولا بتركِ شيءٍ من الواجباتِ ) الضابطِ ( الحافظِ لما يرويهِ إما في صدرِه أو في كتابه ) عن مثله ، إلى منتهاه ، أي أن يكونَ كلُّ رجالِ السندِ من هذا النوعِ . ويُتسامَحُ فيمنْ كان دونَ ذلكَ بقليلٍ . ويُشْتَرَطُ في الحديثِ أيضًا ألا يكونَ شاذًا ( أي مخالفًا لما هو أوثقُ منه ، لاحتمالِ ورودِ الخطأ من الثقةِ ولو في النادرِ ) ، وألا يكون معلَّلًا ( يعني فيه علةٌ خَفِيَّةٌ في سندِه أو متنه لا تظَهرُ إلا بعدَ الثَّبْرِ والغور ) . وهذه الشروطُ غايةٌ في الدِّقَّةِ والتحَرّي (398) .

ولأجلِ النظرِ في الرواةِ المذكورينَ في هذه الأسانيدِ ، ومعرفةِ توافُرِ هذه الشروطِ في الأحاديثِ ، صُنِّفَتْ كتبٌ لا حصرَ لها . فكانتْ كتبُ التراجُمِ ، وعلمُ الجرحِ والتعديلِ ، وعلومُ مصطلحِ الحديثِ ، وعلومُ التخريجِ ودراسةِ الأسانيدِ ، وكتبُ العِلَلِ ، وكتبُ الأنسابِ ، وهلمَّ جرًا .. بثَراءٍ علميٍّ منقطعِ النظيرِ ، وقواعدَ دقيقةٍ للنقدِ والتمحيصِ ، بحيثُ لم يبقَ مجالٌ لداسٍّ أن يدسَّ شيئًا في كلامِ رسولِ الله ( فلا يعرَفُ ، وبحيثُ حُفظِتْ لنا السنةُ حفظًا عجيبًا ، فلم يضِع منها شيءٌ . حتى أن ابتسامَ النبي ( ، وصفةَ مَشيِهِ ، وطريقةَ نومِه ، واكتحالَه وتطيُّبَه ، وغيرَ ذلك مما هو دونه حُفِظَ لنا ، فضلًا عما هو أعظمُ منه من الأقوالِ والأفعالِ والإقراراتِ .

وانقَسَمَ نقلُ هذه السنةِ إلى قسمينِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت