قَتْلاَنا ولا نَدِيْ قَتْلاَكم، فقال عمر: لا؛ لأنهم قومٌ قُتِلُوا في سبيل اللهِ واستُشْهِدوا) [1] ، دَلَّ على ذلك كتابُ الله في عَفْوِه عن الخطأ وسُنَّةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في قصّةِ أسامةَ بن زيدٍ وقصّةِ عمّار بن ياسرٍ وعديّ بن حاتم وأبي ذَرٍّ [2] ، وغير ذلك، فما قَبَضَه المسلم بعَقْدٍ متأوِّلًا فيه مَلَكَه، ولو تَحاكَمَ اثنانِ في عَقْدٍ اعتقَدا صِحَّتَه بعد القبض فينبغي للحاكمِ أن يُقِرَّهما على ذلك التقابُضِ، ويجوز معاملةُ المسلم فيما قبضَه بهذا الوجه ولهذا أمرَ أحمد لمن يُعامِلُ السلطانَ في وقتِه أن يكون بينه وبينه آخر، وكلَّما بَعُدَ كان أجودَ؛ لأنَّ المباشرَ لهم قد يَستحِلُّ من المعاملةِ باجتهادٍ أو تقليدٍ ما لا يَستحِلُّه المستفتي، فإذا قَبَضَه المباشرُ بتأويله حَلَّ للمستفتي حينئذٍ. ونظيرُ هذا قولُ عمر في الخمر والخنزير [3] :" [وَلُّوهُم بَيْعَها وخُذُوا أثمانَها ولا تَبِيعُوها أنتم فإن المسلمَ لا يَحِلُّ له بيعُ الخمرِ والخنزيرِ] [4] ويَحِلُّ له قَبْضُ ثمنِ ذلك ممن باعَه"بتأويله في دينه، فالمسلم الذي قَبَضَ بتأويلٍ أولَى، فهذا مأخذٌ لقولِ أحمد، وله مأخذٌ ثانٍ: أنَّ الظالمَ إذا باعَ المغصوبَ فالمشتري قَبَضَ عِوَضَ مالِه، والأموالُ التي بأيديهم مجهولةُ الملكِ، فالعِوَضُ فيها كالمعوَّض، فالمستفتي قَبَضَ ممن قَبَضَ عِوَضَ مالِه ولم يَقبِضْ ممن قَبَضَ نفسَ مالِ الغير، ولهذه القاعدة فروعٌ في جواباتي في الفتاوى.
وما قَبَضَه الإمامُ من الحقوقِ ـ الزكَوات والخراج وغير ذلك ـ بتأويلٍ من اجتهادٍ أو تقليدٍ، وَجَبَتْ طاعتُه فيه كما يَجِبُ طاعةُ الحاكمِ في الحكم المتنازع فيه، فإذا طلبَ أخْذَ القيمةِ، أَو أَخْذَ ما فَضَلَ عن الفرائضِ ونحو ذلَك أُطِيعَ في ذلك وتَبْرَأ ذِمَّةُ المسلمِ بما يَدفَعُه من ذلك.
وهل يُجزِئُه ذلك إذا كان يعتقد أنه لا يُجزِئه لو فعلَه؟
الصواب أنه يُجزِئُه كما ذكر أصحابُنا في الخلطة أنه لو أخذ القيمة أو الكبير عن الصغير، فإنه يَرجِعُ أحدُ الخليطينِ على الآخر بذلك، وإطلاقُهم يَقتضي أنه يُجزِيءُ.
ونظيرُ هذا من مسائل العبادات البدنية، الصلاةُ فإن المأمومَ يجب عليه متابعةُ الإمام فيما يَسُوغُ فيه الاجتهادُ، وإن كان المأموم لا يراه؛ كما لو قَنتَ الإمامُ في الفجر، أو زاد في تكبيرة الجنازة إلى سبعٍ؛ لكن لو أخلَّ في الصلاة بركنٍ أو شرطٍ في مذهب المأموم دون مذهبه فهذهِ فيها الخلاف، وهو يُشبِه إجزاءَ إخراجِ الزكاة من بعض الوجوه [5] ، لكن إن كان الإمامُ لا يطلبُ منه الزكاةَ وإنما هو بَذلَها
(1) هذه الحادثة ذكرها شيخ الإسلام في المجموع (35/ 157) ولفظه:"قال لهم الصديق: اختاروا إما الحرب المجلية، وإما السلم المخزية، قالوا: يا خليفة رسول الله! هذه الحرب المجلية عرفناها فما السلم المخزية؟ قال: تدون قتلانا، ولا ندي قتلاكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ونقسم ما أصبنا من أموالكم، وتردون ما أصبتم من أموالنا، وتنزع منكم الحلقة والسلاح، وتمنعون من ركوب الخيل، وتتركون تتبعون أذناب الإبل حتى يرى الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرًا بعد ردتكم، فوافقه الصحابة على ذلك؛ إلا في تضمين قتلى المسلمين فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال له: هؤلاء قتلوا في سبيل الله فأجورهم على الله، يعني هم شهداء فلا دية لهم، فاتفقوا على قول عمر في ذلك"اهـ.
وهذا الأثر أخرجه الطبراني في الأوسط (1974) من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بن عائذ عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، وأورده الذهبي في تاريخه (3/ 32) وابن كثير في البداية (6/ 359) من طريق الثوري عن قيس عن طارق، قال ابن كثير: رواه البخاري من حديث الثوري بسنده مختصرًا، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (8/ 574) من طريق آخر مرسلًا، والأثر صحيح ثابت ولفظ قول عمر في هذه الروايات:"فقال عمر: أما قولك: تدرون قتلانا، فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم"وفي رواية:"فقال عمر: يا خليفة رسول الله، القول كما قلت، غير أن قتلانا قتلوا في سبيل الله، لا دية لهم".
(2) كل هؤلاء الصحابة ذكرهم شيخ الإسلام في المجموع (22/ 11، 15) . فأما حادثة أسامة فمعروفة في استحلاله قتل الذي قتله بعدما قال: لا إله إلا الله.
وأما عمار فقضيته مع عمر بن الخطاب في التيمم معروفة أيضًا.
وأما أبو ذكر فعندما مكث مدة لا يصلي مع الجنابة بالتيمم.
وأما عدي بن حاتم فحادثة في تبين العقال الأبيض من الأسود.
وكلها أحاديث صحيحة ثابتة.
(3) أثر عمر أخرجه أبو عبيد في الأموال (رقم 129) ، وابن أبي شيبة (10799) وسنده صحيح. وأفتى به أحمد، راجع أحكام أهل الذمة للخلال (ص 174) .
(4) زيادة من نسخة محمد عزير شمس.
(5) تكلم شيخ الإسلام عن دفع الزكاة للسلطان في المجموع (25/ 81) (28/ 267) .