شأن المملكة إلى مُقدَّمٍ اسمُه محمد بن رائق [1] ، وجعلَه أمير الأمراء وأمرَ بأن يُخطَب له على سائر منابر المملكة، ولم يكن قبل ذلك شيء من ذلك.
قال: وبَطَلَ قبل ذلك أمرُ الوزارة ولم يكن الوزير ينظر في شيء من النواحي ولا الدواوين، ولا كان له اسمٌ غيرُ اسمِ الوزارة فقط، وأن يحضرَ في أيام المواكب دار السلطان بسوادٍ وسيفٍ ومنطقةٍ، ويقفَ ساكنًا، وصار ابنُ رائقٍ وكاتبُه ينظران فيما كان الوزراءُ ينظرون فيه، وكذلك كلُّ من تقلَّد الإمارةَ بعد ابن رائق، وصارت أموالُ النواحي تُحمل إلى خزائن الأمراء فيأمرون ويُنفِقون منها ويُطلِقون لنفقاتِ السلطان ما يريدون، وبطلت بيوتُ الأموال، ثم إنه بعد ذلك حدثَتْ دولة بني بُوية [2] ، الأعاجم وغَلبوا على الخلافة، وازداد الأمرُ عما كان عليه وبَقُوا قريبًا من مئةِ عام إلى بعد المئة الرابعة
(1) هو أبو بكر محمد بن رائق أمير من الدهاة الشجعان له شعر وأدب، كان أبوه من مماليك المعتضد العباسي ولي أمر شرطة بغداد للمقتدر سنة 317هـ ثم إمارة واسط والبصرة، ولاه الراضي إمرة الأمراء والخراج ببغداد سنة 324هـ وأمر أن يخطب له على المنابر، مات مقتولًا سنة 330هـ.
(2) دولة بني بويه نسبة إلى بويه بن فناخسرو والملقب بأبي شجاع، أسس إبنه علي الدولة البوهية في بلاد فارس قرب همذان سنة 330هـ، وسيطروا على بغداد سنة 334هـ وأبقوا الخليفة العباسي كرمز شكلي فحسب، فقد استبد البوهيون بالسلطة دون الخليفة العباسي، فاستولوا على جميع أملاكه وذخائره وخصصوا له راتبًا يوميًا وكان لهم كل شيء وجعلوا وظيفة أمير الأمراء وراثية في الأسرة البوهية.
وهناك خلاف، هل البوهيون شيعة زيدية أم اثنا عشرية إمامية؟
والبوهيون لم يتورعوا عندما دخلوا بغداد أن يكتبوا على مساجدها: لعن معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة رضي الله عنها فدكا - يعنون أبا بكر - ومن منع أن يدفن الحسن عند قبر جده عليه السلام، ومن نفى أبا ذر الغفاري - أي عثمان - ألخ من الكتابات التي تعبر عن تشيع ورفض واضحين في عقيدة هؤلاء، ولم يكتفوا بهذا بل أمروا النسا في عاشوراء بإغلاق محلاتهم وأن يلبسوا قبية سوداء، والنساء يخرجن منثورات الشعر، مسودات الوجوه، مشقوقات الثياب نائحات، لاطمات الوجوه، وفي الثامن عشر من ذي الحجة أمروا أن يظهر الناس في أحسن لباس احتفالًا بغدير خم، وسياسة التشيع هذه سهلت للدعوة الفاطمية من النشاط في بلاد العراق وفارس، انتهت الدولة البوهية سنة 447هـ.