بنحو من ثلاثين سنة أو نحوها، حدثت دولة السلاجقة [1] ، الأتراك، وغلبوا على الخلافة أيضًا وكان أحيانًا تقوى دولةُ بني العباس بحسن تدبير وزرائهم كما جرى في وزارة ابن هبيرة [2] ، بما يفعلونه من العدل وإتباع الشريعة، وينهضون به من الجهاد، وكان ملوك النواحي يعطونهم السّكة والخطبة وطاعةً يسيرة تُشبِه قبول الشفاعة، فأما الولايات وإمارة الحروب وجباية الأموال وانفاقها، فكانوا خارجين فيه على أمر الخلفاء، وكانت سيرة الملوك تختلف: فمنهم العدل المتبع للشريعة ذي القوة والأمانة المقيم للجهاد والعدل كنور الدين محمود بن زنكي [3] ، بالشام والجزية ومصر، ومنهم الملك المسلم المعظِّم لأمرِ الله ورسولهِ كصلاح الدين [4] ، ومنهم غير ذلك أقسامٌ يطول شرحُها.
وهكذا هم في وضع الوظائف، فمن الملوك والوزراء من يُسرِف فيها وضعًا وجبايةً، ومنهم من يَستَنُّ بما فُعِل قبله ويجري على العادة، فيجري هو والذي قبلَه على القسم الرابع، ومنهم من يجتهد في ذلك اجتهادًا ملكيًّا يُشبِه القسم الثالث، ومنهم من يقصد اتباعَ الشريعة وإسقاطَ ما يخالفُها كما فعلَ نور الدين لما أسقطَ الكُلَفَ السلطانية المخالفة للشريعة التي كانت توجد بالشام ومصر والجزيرة وكانت أموالًا عظيمةً جدًا وزاد الله البركات وفَتحَ البلادَ وقَمعَ العدوَّ بسبب عدلِه وإحسانِه.
(1) السلاجقة حكموا محل البوهيين من سنة 447هـ إلى سنة 590هـ وشهد عهد طغرلبك وألب أرسلان وملكشاه استقرارًا وإحياء للجهاد ضد البيزنطيين وإنعاشًا لحركة المدارس للرد على الزندقة والباطنية.
(2) هو يحي بن هبيرة الدوري الذهلي الشيباني أبو المظفر من كبار الوزراء في الدولة العباسية ولد سنة 499هـ كان حنبليًا عالمًا بالفقه والأدب، ولد في العراق وكان يقال عنه: ما وزر لبني العباس مثله، قام بشئون الدولة حكمًا وسياسة وإدارة أفضل قيام، توفي ببغداد سنة 560هـ، وله مؤلفات منها الإفصاح عن معاني الصحاح مطبوع وغيرها مخطوط.
(3) محمود بن زنكي نور الدين الملقب بالملك العادل، ملك الشام ومصر وديار الجزيرة أعدل ملوك زمانه وأفضلهم، كان من المماليك (جده من موالي السلجوقيين) ولد سنة 511هـ توفى سنة 569هـ وقبره بالمدرسة النورية.
(4) هو يوسف بن أيوب بن شادي المعروف بصلاح الدين الأيوبي بطل الإسلام ومن سادات المجاهدين أشهر من أن يترجم له، ولد سنة 532هـ وتوفى سنة 589هـ وقبره بالشام معروف.