ولقد قدمت الرؤية القرآنية للمسلمين منهجًا واضحًا صريحًا في كشف حركة التاريخ وارتباطها بالإيمان بالله فالأمم التي خرجت عن هذا الإيمان سقطت والأمم التي التمست منهج الله مكن الله تبارك وتعالى لها في الأرض.
ولقد جاء تاريخ المسلمين مقرًا لهذا القانون، فانتصارات المسلمين كلما تمت عندما تمسكوا بعقيدتهم وباعوا أنفسهم خالصة لله تبارك وتعالى وجاءت هزائم المسلمين عندما فرطوا وتخاذلوا واعتراهم الفتور وقد كشف ذلك عن حقيقتين:
الأولى: أن هناك قوى متآمرة قائمة لا تبرح وهي قادرة على ضرب الوجود الإسلامي عندما تتراخى قبضته عن تطبيق منهج الله تبارك وتعالى.
الثاني: أن في أعمق أعماق المنهج الإسلامي قوة قادرة على تصحيح مسيرة المسلمين عندما تنحرف وإعادتهم مرة أخرى إلى الطريق الصحيح.
ومن هنا كانت ضرورة فهم التاريخ الإسلامي وتحليله في جانبيه السلبي والإيجابي، ومحاكمة تاريخ الإسلام إلى منهج تاريخي إسلامي أصيل، ورفض التفسيرات المادية والعلمانية المضللة الوافدة التي لا تهدف أساسًا إلا إلى الغض من قدر عطاء إيجابيات التاريخ الإسلامي للأجيال الجديدة والحيلولة دون تأثيرها النفسي والاجتماعي للتقليل من دورها في بناء الثقة في النفوس وإعادة الإيمان بقدرة منهج الإسلام على العطاء مرة أخرى على النحو الذي وقع من قبل.
وإذا كان من أخطر عوامل التزييف ما وجهه الاستشراق من عناية للفرق الضالة وخاصة القرامطة والباطنية والزنج وغيرها فإن الحملة الخطيرة هي تلك التي وجهت ولا تزال توجه للدولة العثمانية في محاولة لتزييف تاريخ ناصع استمر أكثر من أربعمائة عام في حماية الكيان الإسلامي من الغزو الغربي، ذلك لأن هذه الخطة هي أبرز ما ركزت عليه قوى التغريب والاستشراق والتبشير لخدمة أهداف الغرب الذي كان يطمع في تدمير الجامعة الإسلامية والوحدة الإسلامية والخلافة الإسلامية (وبالتالي الدولة العثمانية) .