وما تزال في حاجة كبرى إلى دحض تلك الاتهامات التي توجه إلى هذه الدولة وهي موجهة أساسًا إلى الإسلام ويحمل لوائها أصحاب الأحزاب القومية والإقليمية وخصوم الإسلام دينًا ودولة، وهي في نظرنا علامة واضحة تفرق بين القائمين على منهج الإسلام والذين يدعون التماس طريقه كذبًا وبهتانًا.
وقد وضحت خطوط المؤامرة التي قام بها النفوذ الغربي لتمزيق وحدة المسلمين الجامعة التي قامت في ظل لواء الدولة العثمانية وذلك بإحياء مفهوم (الطولونية) وتأليف جماعات الدونمة وأصحاب المحافل الماسونية وأتباعهم من أبناء الحاخامات أمثال (مدحت باشا) وغيره من المتآمرين الذين عمدوا إلى إسقاط السلطان عبد الحميد أولا ثم إلى إلغاء الخلافة ثم إلى إلغاء كيان الدولة العثمانية في سبيل إقامة رأس جسر لعنصر ليس من أهل المنطقة في محاولة لاحتلال اليهود فلسطين وهي مؤامرة ضخمة قد أعدت على نحو خطير جدًا.
وفي سبيل هدم الدولة العثمانية والوحدة الإسلامية الجامعة جاءت تلك المحاولات التي استعلنت في الاهتمام بابن إياس وابن تغري بردي والمقريزي وغيرهم من المؤرخين المصريين في فترة المماليك والعصر التركي فقد حاول النفوذ الأجنبي إحياء هذا التراث ليجدد أمام المصريين والمسلمين عامة تلك المقولات التي كتبها هؤلاء المؤرخون الذين كانوا محصورين في عصرهم ولم تكن لهم النظرة الواسعة للدور الذي قام به المماليك في تحطيم القوى الصليبية والباطنية والدور الذي قام به الأتراك في حماية الوجود الإسلامي بإدخال مصر والشام في الوحدة الإسلامية الجامعة وكذلك إدخال الجزائر وتونس.
وتلك قضية يجب أن تدرس من أبعادها المختلفة، أما ابن إياس والمقريزي وابن تغري بردي فقد كانوا أشبه بكتَّاب يوميات صحفية للأحداث ولم تكن لديهم القدرة الحقيقية على تحليل الأحداث وربطها على المدى الواسع والعجز عن فهم الوحدة الإسلامية وأخطار ما كان يحيط بمصر والبلاد العربية من مؤامرات.