فهرس الكتاب
ونعوذ بالله من هذه الاتهامات والأكاذيب التي لا تستندُ إلى واقعٍ ولا دليل علمي أو تاريخي وينقضها العقل ويكذبها الواقع، وقد سبق أن بينا في الفصل الثاني صحة مصدر الوحي، فظاهرة الوحي ربانية المنشأ ملائكية النقل بشرية التبليغ [1] ، فرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مُبَلِّغٌ فقط، وقد نفى الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم صفة الجنون؛ لأنها تناقض هدي النبوة وتُخِلُّ بشرف الرسالة، فقال تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22] ، والغريب من هؤلاء أنهم يثبتون الوحي في أنبيائهم فيقبلون أن تكون التوراة وحيًا من الله تعالى، وتنْزيلًا منه على موسى عليه الصلاة والسلام، ويقبلون أن تكون أقوال الحواريين وتلامذة المسيح عليه السلام كما وصلت إليهم على أنها وحي من الله تعالى، ولا يثبتون الوحي في محمد صلى الله عليه وسلم بل يعتبرون ذلك صرعا ونوبات ونحوهما من الأمور التي لا يصدقها عاقل، ويستطيع أي إنسانٍ يعرف سيرةَ النبي عليه الصلاة والسلام وشخصيته أن يجزمَ صادقًا أنه غير مصابٍ بالصرَع؛ إذ لو كان كذلك لقام أصحابه وأنقذوه، ولكنهم كانوا يدَعونه ولا يقربونه حتى ينجَلي عنه الوحي فيفيق حينئذٍ من نفسه دون أن يكونَ هناك علامة فَزَعٍ على وجهه أو زوَغان بصر أو معاناة أو أي شيءٍ مما يُشاهَدُ على المصروعِ ساعة إفاقته، ولو كان عليه الصلاة والسلام مصابًا بالصَّرَع لكان يسقط على الأرض شأن المصروعين حينما كان يفاجئه الوحي وهو قائمٌ أو جالسٌ أو متوكئٌ على عسيبٍ أو راكبٌ على ناقته، ولكنه لا يسقط [2] .
(1) انظر: آراء المستشرقين حول القرآنِ الكريم وتفسيره، عمر بن إبراهيم رضوان ص 286.
(2) انظر: مصدر القرآن 190، 191.