فهرس الكتاب
ثم إن وصف ظاهرة الوحي الإلهي وما كان يعتري النبي صلى الله عليه وسلم عند تلقيه بالهَوَس أو الصرَع أو نحو ذلك من الانحرافات النفسية جهلٌ خطير بحقيقة النبوة، ومن المعروف من الناحية الطبية أن آثار نَوبات الصرَع هي التمزق والحزن الشديد، ولكن لا توجد أي علامات من هذا القبيل في أدق التفاصيل عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان يسيطر بشكل واضحٍ على كل قدراته وملكاته العقلية والشخصية في آنٍ واحد [1] . والذي يظهر لنا جليا وواضحًا أن ما كان يعتري رسول الله صلى الله عليه وسلم هي حالة نفسية وجسدية لتلقي وحي الله تعالى، وهناك فرق واضح بين الحالتين: حالة الصرع التي تنتاب المصروعِين، وحالة الوحي التي تعتري أنبياء الله تعالى، ويؤكد ذلك ما شهدت به الأعداء، فهذا المستشرق أميل درمنغم [2] يقول: (( وحياة محمد كانت منتظمة موزونة قبل بعثته، وما انفكت تكون كذلك بعدها إلا في حالات الوحي ) ) [3] ، ويقول أرميا: (( والحق أن محمدًا كان مبرأ من مثل هذه الأمراض على الدوام، فقد كان تام الصحة إلى أن بلغ سن الكمال ) ) [4] . ثم إن في شهادة خديجة رضي الله عنها له ما يدفع هذه الشبه (( كَلا وَاللهِ مَا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا إِنَّكَ لتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحمِلُ الكَل وَتَكسِبُ المَعدُومَ وَتَقرِي الضَّيفَ وَتُعِينُ عَلى
(1) انظر: الاستشراق والقرآن العظيم د. محمد خليفة 42.
(2) مدير مكتبة الجزائر، له كتاب في حياة محمد، وقيل إنه خير ما صنف مستشرق عن النبي، المستشرقون نجيب العقيقي 1/ 297.
(3) انظر: الوحي والقرآن الكريم، د. محمد حسين الذهبي ص 28.
(4) انظر: آراء المستشرقين حول القرآنِ الكريم وتفسيره، عمر بن إبراهيم رضوان 283.