فهؤلاء يقال لهم: عسى أن يثيبكم على نيتكم وأن يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم ، ولكن نذكرهم بالثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليفعلوا مثله حتى يرافقوه في الجنة ، فحينما علموا عبادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تقالوها وقالوا: هذا النبي قد غفرله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وقال أحدهم: لا أصوم الدهر أبدًا ، وقال الثاني: أقوم الليل أبدًا ، وقال الثالث: لا أتزوج النساء . - أرادوا بذلك التقرب إلى الله وحصد الحسنات ـ . فحينما علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك ، غضب وقام خاطبًا وقال: ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ؟ ألا إني أخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم أفطر ، ,اصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .
وهذا فيه دلالة عظيمة على أن القربات لا يكفي فيها حسن النية ، ولاتكون بالرغبات الشخصية ، ولا بالأراء و الأذواق وإنما تكون بما وافق سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الثابتة عنه ليس إلا .
من هذا الموقف ومن غيره من المواقف التي لا يسع المجال لذكرها عرف الصحابة معنى الإلتزام بسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فهذا عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يرى في المسجد جماعة قد تحلقت وقد ترأس عليها أحدهم ، وقد جمعوا حصى أمام كل واحد منهم ، فيقول زعيمهم هذا سبحوا مائة ، هللوا مائة ، وهم ينفذون أمره ويعدون تسبيحهم وتهليلهم بالحصى . فماذا قال لهم أبو عبدالرحمن ـ رضي الله عنه ـ ؟ قال: ( عدوا سيئاتكم فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء ، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم ، هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون ، وهذه ثيابه لم تبلى ، وآنيته لم تكسر ، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلاتين ؟ ) قالوا: والله ما أردنا إلا الخير . فقال: ( وكم من مريد للخير لا يدركه أو لا يصيبه ) ، ثم فرقهم .