فهرس الكتاب
قال -جل وعلا- بعدها: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا} ، رجال مستضعفون لا يمكنهم أن يعرفوا الطريق، لا يهتدون سبيلًا إلى البلد الآخر ولا يستطيعون حيلةً ليس عندهم ما يركبون وليس عندهم مال ينقلهم فهم مستضعفون، يريدون الهجرة ولكنهم مستضعفون من جهة عدم القدرة على الهجرة بالمال والمركب والدليل ونحو ذلك، فقال -جل وعلا- في هؤلاء: {فؤلئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا} ، ويلحق بهؤلاء من لم يستطع الهجرة في هذا الزمن للمعوقات القائمة من أنواع التأشيرات وأشباهها، تلحق بهؤلاء لأن هذا لا يستطيع حيلة. هو يرغب أن يترك بلد الشرك إلى بلد الإسلام، لكن لا يمكنه ذلك لوجود المعوقات، لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا وطريقًا إلى بلد الإسلام فهؤلاء قال -جل وعلا- في حقهم: {فؤلئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا} . ثم ساق دليلًا آخر وهو قوله-تعالي-: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} ، قال البغوي -رحمه الله-: سبب هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان. تركوا الهجرة فنادهم الله باسم الإيمان، فدل علي أن ترك الهجرة لا يسلب الإيمان، فمعني ذلك أن ترك الهجرة ليس شركًا أكبر وليس كفرًا أكبر وإنما هو معصية من المعاصي، لأنه نادي من ترك الهجرة باسم الإيمان {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} ، قال البغوي: نزلت هذه الآية في الذين لم يهاجروا من مكة نادهم الله باسم الإيمان. فدل علي أن تركهم الهجرة من مكة ليس كفرًا ولا شركًا وأن قوله -تعالى- في الآية التي قبلها: {فؤلئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} ، أن هذا الأجل أنهم تركوا واجبًا من الواجبات وارتكبوا كبيرة من الكبائر، لكن لا يسلب عنهم اسم الإيمان بترك الهجرة من دار الكفر إلي دار الإسلام.