فهرس الكتاب
ومكة لم يعد في إمكان المؤمنين أن يظهروا دينهم، وهو هذا كان قائمًا من أول الدعوة، تسلطوا فترة وكان إظهار الدين في أول الدعوة ليس واجبًا، ثم أمروا بذلك بقوله -تعالى-: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين} ، فابتلي من ابتلي من المؤمنين، فلم يستطيعوا إظهار دينهم فاستأذنوا النبي - - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى الحبشة فأذن بالهجرة إلى الحبشة، الهجرة الأولى ثم الثانية وقيل: ثم هجرة ثالثة. ثم لما لم يعد بالإمكان أن يظهر الدين بمكة وقد قامت بلد الإسلام بالمدينة صارت الهجرة متعينةً وفرضًا من مكة إلى المدينة. لهذا قال -جل وعلا- هنا: {ظالمي أنفسهم قالوا -يعني الملائكة مخاطبين لهؤلاء الذين توفتهم الملائكة وقد تركوا الهجرة -فيم كنتم- يعني على أي حالٍ كنتم- قالوا كنا مستضعفين في الأرض} ، فأجابت الملائكة {قالوا ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها} ، وهذا إنكار عليهم {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} ، لأن الإستفهام هنا في ألم إستفهام للإنكار، وضابطه أن يكون ما بعده مبطلًا، أن يكون ما بعده باطلًا، يعني إذا أزلت الهمزة وقرأت ما بعده، فإذا كان ما بعده غير صحيح صارت الهمزة إذًا للإنكار، إذا تركت الهمزة صار الكلام لم تكن أرض الله واسعةً، هل هذا صحيح؟ ليس بصحيح، فأرض الله -جل وعلا- واسعة فلما أتى الإستفهام بالهمزة بعد كلامٍ بدون الهمزة يكون باطلًا، تصير الهمزة للإنكار كما هو مقررٌ في موضعه في كتب حروف المعاني في اللغة. قال: {فتهاجروا فيها} ، فدل على أنهم تركوا الهجرة ... ، على أن من ترك الهجرة مع القدرة على ذلك أنه مشرك كافر من جنس مع من أقام معهم، وهذا وليس بصحيح قال: إن هذه الآية في المؤمنين. لأنه قال في أولها: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} ، فهؤلاء ظلموا أنفسهم ليس الظلم الأكبر، ولكن الظلم الأصغر بترك الهجرة.