فإذًا هذه المسألة مع غيرها أحيانًا يورد الشيخ دليلًا عامًا كونها من العبادة وأحيانًا يورد دليلًا عامًا على كونها عبادة، وخاصًا في أنه يجب إفراد الله -جل وعلا- بها، والحمد لله ما من مسألة من مسائل العبادة القلبية أو العملية -عمل الجوارح أو عمل القلب أو عمل اللسان-، ما من مسألة إلا وثم دليل عام على أنها من العبادة، وثم دليل خاص على أن من صرفها لغير الله -جل وعلا- فقد أشرك. وهذا -والحمد لله- بيّن ظاهر وهذا التوحيد في بيانه ووضوحه وظهور براهينه وأدلته وآياته مما هو بمكانٍ واضحٍ ظاهر لا يكون معه بعد ذلك حجة للمخالفين الذين تنكبوا هذا الطريق ولم يسلموا وجوههم لله -جل وعلا- ويخلصوا دينهم لله -جل وعلا- وحده. بعد الإنابة ذكر الإستعانة حيث قال: ودليل الإستعانة قوله -تعالى-: {إياك نعبد وإياك نستعين} . هذا دليل عام في العبادات جميعًا حيث قال: {إياك نعبد} ، وإياك كما هو معلوم ضمير منفصل في محل نصب مفعول به مقدم، أصل الكلام نعبد إياك، ومن المعلوم أن المفعول به يتأخر عن فعله، فإذا قُدم كان ثم فائدة في علم المعاني من علوم اليلاغة ألا وهي أنه يفيد الإختصاص، فطائفة من البلاغيين يقولون: يفيد الحصر والقصر. وعلى العموم الخطيب يسير، يفيد الاختصاص، أو يفيد الحصر والقصر، هنا أفاد أن العبادة من خصوصيات الله -جل وعلا-، خاصةٌ بالله -جل وعلا-، {إياك نعبد} ، يعني لا نعبد إلا أنت. ثم قال بعدها -وهو مراد الشيخ بالاستدلال- {وإياك نستعين} ، {إياك نعبد وإياك نستعين} ، وهذه الآية من سورة الفاتحة، السورة العظيمة التي هي أم القرآن، التي يرددها المسلمون في صلواتهم، فيها إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة، وعقد العهد والإقرار على النفس بأن القائل لتلك الكلمات لا يعبد إلا الله -جل وعلا- قال: {وإياك نستعين} ، كذلك لا يستعين إلا بالله -جل وعلا-.